في حين أننا بتقدم الحكاية سوف ندرك من أخلاق هذا " الأمير " ، وتصرفاته ما يناقض كل هذه الصفات التي وصفه بها ، وسوف تقدم له النصائح بالبعد عن الخمر ، ويظل موقف مولانا جلال الدين ممن يجلسون على كرسي الإمارة " واضحا " كما عبر عنه في الكتاب الثالث ( الأبيات التي تتحدث عن طغيان فرعون وعن باب الحطة الذي يذل الجبارين وفي الكتاب الرابع عن الوزير المقتر البخيل ، وحيثما عن له الحديث عن جبارى الأرض ) ، والأمير الذي يقدمه هنا والجو العام للقصة يشير إلى بعض أمراء المسلمين الذين ضربوا بتعاليم الدين عرض الحائط وعله غلف الحكاية بعهد عيسى عليه السّلام لكي يبعد الشبهة عن نفسه ، فأغلب الظن أنه كان يصف واحدا من أمراء السلاجقة العديدين الذين كانوا يحكمون إمارات الأناضول المختلفة في عهده وعندما وصفه بأنه " كهف المخمورين " ، كان يسخر منه .
( 3446 - 3453 ) : أي خمر هذه يا ترى التي يجد منها العوام والخواص الخلاص ! ! غير تلك الخمر الإلهية التي تقوم جرعتها بفعل آلاف الدنان من الخمور الأخرى ، ففي هذه الخمر الإلهية مادة خفية ، تشبه تماما تلك القوة الروحية التي تجعل من رجال الله وهم متلفعون بعباءاتهم سلاطين على الدنيا وملوكا ، لا تنظر إذن إلى خرقهم الممزقة ، إنها دريئة تخفيهم عن أعين العوام ، تحميهم من أذاهم ، كما يسود الذهب لكي يحمى من اللصوص ، انظر إلى الجواهر ، يقوم الجواهري بتسويدها حتى لا يتعرف اللص عليها ( انظر الكتاب الرابع ، الأبيات 2171 - 2173 ) ، ومن هذا القبيل دفنت الروح في الجسد كما تدفن الكنوز في الخرابات ، وذلك من أجل حجبها عن كل لعين لاحق له فيها ، ومن هنا كان جسد آدم سدا أمام نظر إبليس إليه ، فنظر إليه ولم يبصر روحه ( انظر الكتاب الثالث ، الأبيات 2301 - 2302 ) .
( 3455 - 3460 ) : ينطلق مولانا في وصف الخمر التي اشتراها الغلام بما يوحى بأنه لم يكن يقصد تلك الخمر الدنيوية " فأراد بالأمير الروح وبالغلام النفس ومن الجرتين العقل والقلب ومن الرهبان أرباب الرياضات والمجاهدات من أهل الإسلام ، ولو انبعث نور العشق الإلهى من قلب سلطان الإرشاد وأرشد المريد لوضع الله على رأس المريد تاج الكرامة وأعطاه الدرجات العاليات ( مولوى 5 / 501 ) ، ولأثار هذا الشراب فتن العشق وأشواقه ، ولعلم جميع الناس من سادة وعبيد أنهم دون هذا العشق سواسية ولامتزجوا معا بحثا عنه وطلبا له ، ولعلم الملوك أن عرشهم ما هو إلا لوح من خشب ( انظر الكتاب الرابع ، الأبيات 908 - 909 والبيت 661 ) ، ولتحولت العظام ( وهي جماد الجسد ) ، إلى أرواح ، وكل هذه
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 590
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٩٠