( انظر الكتاب الذي بين أيدينا عن جرعة الحسن الصافية دون تراب الأبيات 372 - 379 ) وأنت من كثرة ما امتزجت بالصور ( آثار وجود الحق ) وفكرت فيها وتمعنت وتحيرت واندهشت وسبحت وكبرت وحمدت صرت جديراً بإدراك الذات مجردة من الصور ، فأجذبك برش لطفى وأنت لا ترى هذا الجذب لكنك لا تلبث أن تحس بآثاره ، فينبثق منك ماء المعرفة كما ينبثق النبع من الصخرة ويتوارى وجودك خلف هذا الماء كما يتوارى وجود الصخرة خلف الماء فلا تبقى صفاتها الصخرية ، واعلم أن الوجود الظاهري للكائنات هي مجرد أوعية قيمتها بما فيها من معان ومدركات أودعها الحق إياها .
( 3286 - 3311 ) : الحكاية الواردة هنا من الحكايات الشهيرة في الأدب الفارسي قصها سعدى في الكلستان وضمنها أبياتاً عربية من شعر المجنون ( كلستان سعدى بتحقيق فروغي ص 169 ، تهران ب . د . وانظر إحدى ترجماته العربية " جبرائيل بن يوسف المخلع أو محمد موسى هنداوى أو الترجمة الأخيرة لأمين عبد المجيد بدوي ) وأشار إليها مولانا في بيتين من الكتاب الأول ( 407 - 408 ) وهي موجودة في هوامش الديوان المنسوب لمجنون بنى عامر ، ويجيب المجنون هنا بما يؤيد الفكرة الموجودة في البيت 3285 ، وهو أنه ليس المهم الوعاء ( الصورة ) لكن المهم هو ما يناله الإنسان من الوعاء ( المعنى ) وأن المعاني ليست متاحة لكل إنسان ، بل ينبغي أن يكون جديراً بها ، فالعشق أيضاً ليس جديراً بكل إنسان ويتراوح عطاء الأوعية بقدر تراوح واختلاف استحقاق الناس فيها فقد يكون " سما " ( لذة دنيوية ) لإنسان وعسلا " معرفة لعالم الغيب " لإنسان آخر والصورة مأخوذة من سنائى البيت 461 من الحديقة ) وقاصرات الطرف أي حور الجنان موجودات في الخيام " الأوعية " ولا يكون تجليهم إلا لمن وعدهم الله سبحانه وتعالى ، وكل شئ في هذه الحياة نسبى وقائم على النسبة وإليك هذه الأدلة ، يوسف عليه السّلام بالنسبة لأبيه وبالنسبة لأخوته وبالنسبة لزليخا ( امرأة العزيز ) بل أن هناك فرقاً بين حب يعقوب وحب زليخا ، انظر إلى الوعاء واحد ، ونصيب كل إنسان فيه مختلف بحسب درجة واستحقاقه وطبيعته ، الإناء واحد والخمور مختلفة ، الإناء ظاهر ، والخمور مستترة ، وفي الأبيات العربية معاني تكررت في أبيات فارسية سابقة والمقصود بها أن وجودك أيها الإله موجود في داخلنا وإن كان مستتراً ونحن دليل على هذا الوجود .
( 3312 - 3324 ) : لا يزال مولانا في مناجاته : إن الله سبحانه وتعالى كالريح غير ظاهرة لكن آثاره ظاهرة في البساتين ، وكالروح غير ظاهرة في الجسد لكنها هي التي تحرك قوى
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 584
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٨٤