السحر يخلق صورة على ذكراه ، وهذا الانجذاب إلى الصورة يجعلك تظنها كائناً حياً فتعاملها كما لو كانت كائناً حياً بالفعل ، في حين أنه لا صورة هناك ولا تمثال ومع ذلك فبينك وبينها مائة سؤال وجواب ، تخاطبها قائلًا : ألست محبوباً لك وتتخيل أنها تجيب عليك قائلة لك :
بلى ، وكل هذا من الوهم ومن الخيال الذي صور لك وجوداً ليس موجوداً بالفعل .
( 3264 - 3274 ) : إن أولئك الذين يبحثون عن الله سبحانه وتعالى في آثار خلقه في هذا العالم أشبه بتلك الأم الثكلى التي تبكى وليدها الذي مات ، وتجلس إلى قبره وتحدثه كأنه حي في حين أنه مجرد تراب ، إن خياله أمامها جسد لها هذا الوهم ، إنها تعتبر القبر ذا عين وأدن ، لكن عشقها لهذا الوليد هو الذي صور لها هذا الوهم ، وقد تكون أكثر حباً لهذا القبر ( الوهم ) من حبها لوليدها عندما كان حياً ( الحقيقة ) لكن عشق الميت لا يستمر ، ومن ثم أوصى دائماً بأن تعشق الحي الذي لا يموت ، ومن هنا فلا تمر بضعة أيام حتى يهدها البكاء أمام قبر ذلك الطفل المحبوب فتنام ، وهل ينام المحب في حضرة محبوبه ؟ لا ، العشق الذي كان موجوداً مضى إلى حال سبيله ، " أخذ تعويذته ومضى " ، وعندما تنطفىء النيران لا يبقى إلا التراب .
( 3275 - 3285 ) : والشيخ هو الذي يدرك هذا للوهلة الأولى ، كأنه يراه في المرآة ، حتى وإن كان ينظر في قطعة من اللبن ، إنه يستطيع أن يفرق بين العشق وعاقبته وبين الوهم الذي يبدو عشقاً ، والمثال مأخوذ من سنائى ( انظر تفسيرات أخرى على شرح الأبيات 2193 - 2209 من الكتاب الثالث وشرح البيت 3374 من نفس الكتاب والبيت 168 من الكتاب الثاني ) وعن نفس هذه الفكرة عبر القشيري عن الصوفية " مذاهبهم أقوى من قواعد كل مذهب فالذي للناس غيب فهو لهم ظهور ، والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه موجود ، فهم من أهل الوصال والناس من أهل الاستدلال ( عن شروح كفافى الكتاب الثاني ص 404 ) إنني أقصد بالشيخ الذي يأخذ بيدك هو عشقك أنت لا الشيخ صاحب اللحية البيضاء فجناح العشق يعبر بك الأفلاك مهما كنت قانطا ، إن الصور تتخلق وينشط الخيال ويسيطر الوهم عندما يكون فراق ، لكن شتان ما بين ما تدركه عند اللقاء وبين هذا الوهم والخيال الذي كان مسيطراً عليك ، عامل نفسه آنذاك قائلًا لك : أنا الأصل في الصحو السكر الذي ينعكس على تلك الصور ( انظر الكتاب الثالث 3252 ) إن الذي انعكس على تلك الصور فجعلها تجلت لك بهذا الشكل هو حسننا ، وعند اللقاء رفعت الحجب ، وهذا هو الحسن بلا واسطة
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 583
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٨٣