ذكر أدلة كلها فعليه أن يذكر أدلة الآخر كلها ، ومن ثم فمن الأفضل أن يترك الموضوع برمته ، لأن الخلاف - في هذه القضية وفي غيرها - قائم إلى يوم القيامة ، والله سبحانه وتعالى يمد كل فريق بأدلته ، وذلك حتى لا ينتصر أحد ، والنقاش في حد ذاته لن يؤدى إلى نتيجة ما دام الحل كما رأى مولانا كامناً في العشق ، والعشق ليس بالنقاش وليس بالجدل بل هو ذوق وموهبة وعطية .
( 3219 - 3221 ) : إن وجود الاثنين وسبعين فرقة أمر ضروري " إشارة بالطبع إلى الحديث الشهير : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة " لكن الإمام الغزالي في فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة نقل الحديث بصورة توحى بأن الفرق كلها ناجية إلا واحدة هي فرقة الزنادقة ويتفق هذا التفسير مع منطق مولانا فتبعه ( سر نى ، جلد 1 ، ص 414 ) فلا يمكن أن يكون وجود الفرق الهالكة ضرورة من الضرورات ، إن هذه المذاهب والفرق هي ظلال النور ، لأن هذه الأرض هي أرض الظلال ، وأرض المذهب الواحد واللون الواحد أرض أخرى ، الاختلاف إذن هو طبيعة هذه الأرض ، وينبغي أن تكون قابلًا له ، الله نفسه يقبله ، أليس هو الذي يهب - حتى المبتدع - هذه القدرة على النقاش ؟ إذن فكيف يميز المؤمن ، إن لم يكن ثم مبتدع ( ديدن مولانا جلال الدين إن المتضادات لازمة ، انظر الكتاب الذي بين أيدينا الأبيات 575 - 581 وشروحها ) .
( 3222 - 3229 ) : وحتى إن كان للمحقق التعب والمشقة من كل هذه الفرق التي عليه أن يتغلب عليها حتى يحصل على الحقيقة فما الضرر في هذا ؟ إن عزة أي طريق في وجود المشقة والتعب منه ، حينذاك يكون اجتيازه نجاحاً حقيقياً ، ما قيمة أن تفتح مخزناً واهى الأبواب ؟ وما قيمة هدف يكون طريقه سهلًا ميسراً لا عقبات فيه ولا وعورة ولا قطاع الطريق ؟ وهل تكون زيارة الكعبة عزيزة إلا بقطع البوادي والتعرض لهجمات الأعراب ؟
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 580
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٨٠