يخشونهم ، وحين يصل المرء إلى مرتبة الملائكة يكون عيشه فوق الأفلاك ، يكون آمنا من الكدح على الأرض ، لقد جاوز مرحلة الكدح ووصل إلى مرتبة الملائكة .
( 3187 - 3194 ) : يعود مولانا هنا إلى مناقشة المجوسي الجبري الذي بدأت القضية به ويخاطبه قائلا : دعك من هذا الجبر فهو جبر العوام ينفى عنهم مسئوليته كل خير وكل شر ، وأدخل في جبر الخواص الذي فنى وجودهم الفردى في الحق فصار فعلهم هو فعل الحق ، ودعك من جبر الكسالى ، حتى يأتيك ذلك الجبر الذي يهبك روحا جديدة ، جبر الخواص والفانين في الله ، ودعك من عشقك لنفسك وكن عاشقا للحقيقة واقلع عن تخيل أنك طيب وخير وفائق على الآخرين ، انصرف قليلا عن أنيتك ، ولا يكن طوافك كله حول نفسك ، دعك من عبادة ذاتك ، فإن أولئك الذين يطوفون دائما حول ذواتهم لا شئ عندهم يقولونه ، فأي عالم هذا الذي يتحدثون عنه ، إنسان محدود بنفسه ، ماذا لديه لكي يقال ، إنه صامت كالليل حتى وإن تكلم ، إن عمرك كله قد ضاع هدرا ، والناس تحرك رؤوسها إعجابا ، وإن قال لك أحدهم أقلع عن هذا ، إن هؤلاء الذين يجتمعون حولك يظنونك ماء عذبا لأنهم لم يذوقوا الماء العذب ، تقول له : كفاك حسدا ، أي حسد ؟ ! هل يحسد الإنسان الغثاء والهباء والغثاثة والتفاهة ؟ ! إن تعليم هؤلاء مثل الرسم على المدر " الطوب " ، أما النقش على الحجر ، والذي يظل دائما فهو " العشق " و " النظر " ، لكي تصير أستاذا وشيخا وتجد لك مريدين علم نفسك العشق وعلم نفسك النظر أي الإدراك الباطني للشيوخ الكاملين .
( 3195 - 3199 ) : ونفسك تلميذ وفي ، كما تعلمها تتعلم ، وكما تدربها تكون وما سواها من التلاميذ غير موجود ما دامت هي لم تتعلم ، وهؤلاء الأدنياء الأخساء لا يتعلمون منك شيئا ، وطالما تدعوهم فاضلين وعلماء ، فإنك تدل على أنك خلاء وخواء ، أنت فارغ وهم فارغون فمن أين يأتيك العشق ومن أين يأتيك النظر ، لكن إذا كان قلبك متصلا ببحر العلم اللدني والعلم المطلق الإلهى ، فمن حقك آنذاك أن تتحدث لأنك " تغرف من البحر الذي لا ينتهى " ، والذي يأتي إلى قلبك منه المدد باستمرار ، إنما يخشى من يأخذ من الجداول جفاف هذه الجداول ، وأمر " قل " ، إشارة إلى المواضع الموجودة في القرآن التي أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقول ، والآيات التي تبدأ ب " قل " ، أما الأمر ب " أنصتوا " ، فهو لأولئك الذين لم يبلغوا درجة من العلم ومع ذلك يتحدثون ويفيضون فسرعان ما تجف بساتينهم بعد إنفاق ما بها من ماء ، لكن المتصل بالبحر لا يجف علمه ولا ينفد
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 578
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٧٨