سواء سألت القرآن عن معنى القرآن ، أو سألت الولي الذي ذاب في القرآن وفنى في الله فناء تاما ، هذا هو الراسخ في العلم الذي نص سبحانه وتعالى على أنه هو الذي يستطيع أن يعلم تأويله .
( 3131 - 3134 ) : يتعرض مولانا جلال الدين لحديث آخر يحتج به الجبريون لأنهم يفهمونه على غير معناه والحديث هو " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " ، ويحتج الجبريون بهذا الحديث بأن كل ما يجرى على البشر قدر منذ الأزل وبالتالي فلا فائدة من العبادة أو الدعاء لأن الله سبحانه وتعالى لن يغير شيئا ما دامت الأقلام قد جفت والصحف قد طويت . هل يعقل أن يقول لعبده : يا عبدي لا تدعني لقد جف القلم ولن يجديك هذا الدعاء نفعاً ؟ ! ! . وهناك حديث آخر في هذا المعنى " فرغ ربكم من أمر العباد فريق في الجنة وفريق في السعير " ( انقروى 5 / 677 ) . قال أحد الصحابة : أو لا نعمل يا رسول الله : قال صلّى اللّه عليه وسلّم اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، ويقدم مولانا تفسيرا آخر لحديث " جف القلم " ، فجف القلم تحريض على العمل لا على الكسل ، وعلى " الشغل الأهم " ، أي على العبادة لأن القلم جف وفرغ من أمر جعل الجزاء من جنس الفعل ، ولا تبديل لسنة الله ولا تغير لها ، إنك مرتبط بأفعالك ،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
إذا ظلمت فأنت مدبر ، وإن رحمت تُرحم ، وإن سرقت تقطع ، وإن سكرت تثمل ، بهذا جف القلم ، جف القلم وكتب أن الله سبحانه وتعالى عدل وحق يجزى بالحسن حسنا وبالسوء سوءً ، وليس بفعلك لأن الله سبحانه وتعالى يمحو ما يشاء ويثبت ويغير ويبدل " والدعاء يمنع القضاء " ، وإلا فهل من المعقول أن يقدر الله أفعال عبادة ثم ينعزل عنها انعزالا كليا ، ويتركهم هملا ضياعا ، جاهدوا أو لم يجاهدوا أطاعوا أو لم يطيعوا ، أخلصوا له أو لم يخلصوا له وخانوه ، وهل يعقل هذا حتى على ملك من ملوك الأرض ، هل هناك ملك من ملوك الأرض لا يفرق أمام عرشه بين الوفي والخائن وبين من يخافه ومن يسخر منه ؟ ! اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، إن ميزان الله سبحانه وتعالى لا يضيع شيئا مهما كان ضئيلا ، فلو زدت مثقال ذرة في عبادتك ظهرت في هذا الميزان ، إنه هو السميع البصير ، لا يسمع لواش أو نمام ، بل إن الوشاة والنمامين ( الشياطين ) ، عندما ييأسون ويحبطون أمام بلاطه يعودون إلينا ويوسوسون لنا قائلين : ما جدوى العمل ؟ ! لقد جف القلم وكتب من كتب سعيدا وكتب من كتب شقيا والسعيد