يهمل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملكهم والقادر على ما أقدرهم عليه فإن أئتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ( جعفري 12 / 384 ) والأمر عند مولانا بين الوضوح في قوله بالاختيار وهو في هذا تابع لسنائى الغزنوي الذي قال بأن الجبر لحركة العالم وأن الاختيار للإنسان ، وأن هذا هو المقصود بتكريم الإنسان ، فكيف يكون مجبرا ثم يكون مكرما ؟ ! ( انظر حديقة الحقيقة الأبيات 5459 - 5461 وشروحها ) ، وإلى مثل هذا ذهب الحكيم السبزواري فقال : إن من أفضل ما قاله المعلم الثاني ، لابد أن يكون في الإرادة إرادة بالذات ، وفي القدرة قدرة بالذات وفي الاختيار اختيار بالذات " ، ويضيف والعالم كله ظله ، وهو مختار وظل المختار مختار ( شرح السبزواري ، ص 394 ) .
( 3022 - 3033 ) : يواصل مولانا جلال الدين دلائله على الاختيار واثبات المسؤولية على الإنسان ، وهنا يتجاوز مولانا الدلائل الظاهرة والحواس الظاهرة ويتحدث عن الإدراك الباطني ويسميه بالإدراك الوجداني وفي العنوان يوضح مولانا أن الإدراك الباطني هو أيضاً من قبيل الحس ، فمنه ندرك الألوان والأحجام وأنواع الجمال والقبح بالحواس الظاهرة ، لكننا ندرك الاختيار والاضطرار والغضب والصبر بالحواس الباطنة أو الإدراك الباطني أو كما يسميه مولانا الإدراك الوجداني ، ويفسر محمد تقي جعفري الإدراك الوجداني تفسيرا لغويا على أساس أن " وجدان " بالفارسية تعنى الضمير ويرى أن مولانا كان يقصد هذا المعنى بالفعل بدليل ذكره للندم بعد أن يقوم المرء بفعل السوء فإن هذا الندم مصدره الضمير ( جعفري 12 / 394 - 395 ) . ويقدم مولانا دليلا آخر : القرآن الكريم ، أليس كله أمر ونهى ووعد ووعيد فلابد أن يكون هذا الأمر والنهى والوعد والوعيد موجها إلى " مسؤول " و " حر " وإلا فهو ليس موجها إلى حجارة وحديد أو خشب ، فالعقل نفسه لا يتعامل إلا مع من له عقل . وإلا فهل عادى عاقل صورة ؟ ! أو هل أنشب مخالبه في صورة مخلب ، ثم كيف يوجه أمر إلى عاجز ؟ ! إنك إن أمرت عاجز بأمر يعجز عن فعله كنت جاهلا ، وإن فعلها إنسان لقلت عنه أنه جاهل ، فهل تنفى عن إنسان صفة الجهل وتجيزها على الله جلا وعلا عن ذلك علوا كبيرا ؟ ! وكيف تنفى عنه صفة العجز لتوقعه بعدها في صفة الجهل " والكلام موجه إلى المجوسي القدري " ؟ !
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 571
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٧١