الذي يضع نفسه بين يدي المشيئة الإلهية كالميت بين يدي الغسال وينفى اختياره تماماً ، والناظر إلى الظواهر يطوف بها ويبحث فيها دون أن يصل إلى حقيقة ، أما الناظر إلى الحقائق فهو غير ملوث بهذه الظواهر غير مهتم بها .
( 2912 - 2919 ) : ذكر فروزانفر أن الحكاية التي تبدأ بهذا البيت وردت في عيون الأخبار للدينوري وفي أخبار الطرفاء والمتماجنين لابن الجوزي وبالطبع دون المناقشات الطويلة الواردة بها بل في مجرد سطرين أو ثلاثة أسطر ( مآخذ 182 ) ويذكر زركوب ( سر نى 1 / 447 ) أن الحوار بين المسلم والمجوسي هو في الواقع حوار بين عمرو بن عبيد أحد أئمة المعتزلة ومجوسي ركب معه في سفينة وهي واردة في العقائد النسفية وفي شرح التعرف على مذهب أهل التصوف ، والرواية الواردة في عيون الأخبار وأخبار الظراف والمتماجين :
حدثني رجل من أصحابنا قال صاحب رجل من القدرية مجوسياً في سفر فقال له القدري يا مجوسي مالك لا تسلم قال : حتى يشاء الله قال : قد شاء الله ذلك ولكن الشيطان لا يدعك قال المجوسي : أنا مع أقواهما . ويجعل مولانا من هذه الحكاية منطلقاً نحو تفصيل معتقدات الجبريين وآرائهم الذين كانوا يرون أن الأعمال خيرها وشرها من قبل الله تعالى ولا يروون أنفسهم مستحقين للعقاب ، وكان مولانا يرى أن العبد مختار ومسؤول بدليل الأمر والنهى والتكليف والعقل . ويقول المجوسي " المجوس قدرية هذه الأمة " أي من القائلين بالقدر ، أنه وإن كان كافراً فإنه لا يجيز على الله تعالى أن يريد شيئاً لإنسان ثم تتدخل قوة ما أياً كانت هذه القوة وأياً كان اسمها الشيطان أو النفس أو الأهواء أو الشهوات أو ما إلى ذلك ، فتغير مشيئة الله ، فإذا كانت هذه القوى منتصرة وغالبة إلى هذا الحد بحيث تتغلب على المشيئة الإلهية فما ذنب العبد إن تبعها .
( 2920 - 2936 ) : ويضرب المجوسي الأمثال : هب أنك بنيت بناءً عظيماً أردت أن يكون مسجداً فجاء أحدهم وجعل منه برغم أنفك ديراً ، أو أنك نسجت كرباساً أردت أن تجعل منه قباء فجاء أحدهم وجعل منه سروالًا : أي إن الله تعالى خلق هذا الإنسان ( القصر والمسجد والقباء ) ليكون موضعاً للمعرفة فجاء الشيطان وجعل منه ألعوبة في يده وموضعاً للشهوات ومحلًا للوساوس وآلة للحرب والفساد وسفك الدماء ، فما ذنب هذا الإنسان يا حبيبي ؟ ما ذنب هذا الإنسان وهو ضعيف أمام الشيطان ، وفي نفس الوقت فإن الذي أراد أن يجعل منه معبداً ساكت ومستسلم وصامت ولا يتدخل ليدافع عن صنعه ؟ أأكون أنا مهاناً ومضطراً ومهزوماً
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 566
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٦٦