هؤلاء الأذكياء العباقرة استطاعوا التوصل إلى أسرار العلوم الخفية " النيرنجات والسحر " والعلوم الظاهرة " الفلسفية " وعم الهيئة " الفلك والنجوم " أو هم في الحقيقة ادعوا معرفتها لأنهم في الحقيقة يعلمون منها قشوراً ، لقد جاهدوا واجتهدوا لكن العشق الإلهى أخفى وجهه عنهم واستتر ودق غيرة على المعشوق من أن يكون مجرد جزء من اهتمام أحد وليس هو الاهتمام الوحيد ، وهؤلاء المنجمون بمراصدهم أبصروا النجوم في وضح النهار ورصدوها ، فكيف غابت شمس الحقيقة عن عيونهم .
( 2767 - 2771 ) : أيها الأمير تقبل منى نصيحة لوجه الله ، انظر إلينا بمعيار أهل المعنى ، أنظر إلى العاشقين بعين العشق ، فإن عين الدنيا وعين المتعة لا تجدى هنا ، ولا أطيل عليك فالوقت ضيق ، والروح " مترصدة " ناظرة إلى ربها تنتظر أوامره أو إنعاماته ، فكفاك تجبراً وإيذاءً للعاشقين ، ألست هكذا مسروراً من تمتعك بالدنيا فانطلقت هكذا في شتمى وإيذائى ؟ ! إن ما أفعله لا يخرج عن أمور ثلاثة : إما أنه واجب أي أنني مأمور به من قبل الله تعالى ، وأما أنه جائز أي لا نستطيع عدم القيام به ولا ثواب عليه ولا عقاب ، وأما غير مقبول ، فإن لم تقم بما يكلفك به الشرع من إعطاء للسائل ، فلا تؤذه ، احزم أمرك واختر الوسط أيها الغريب والدخيل على عالم الأولياء وتمثل بقول ابن سينا : إن من عجزك أنك في كل وقت تسمع ولا تستطيع أن تدرك تقول على الفور : هذا محال ( عن جعفري 12 / 308 ) .
( 2772 - 2776 ) : لقد قال الشيخ هذا القول وانفجر في البكاء لقد عزت عليه نفسه ، أنه يريد القول لكنه لا يستطيع ، فقد عقدت الغيرة الإلهية لسانه ، ولأن الصدق مؤثر أو على حد قول ذي النون " الصدق سيف الله في أرضه ما وضع على شئ إلا قطع " ، ( أنقروى 5 / 599 ) فقد فعل هذا الصدق فعله في الأمير فانطلق في البكاء وهذا كله من تأثير العشق ويطبخ قدراً طريفة أي يتجلى ويظهر للعيان ويكون مشهوداً وألا يستطيع عشق الأولياء الصادقين أن يؤثر على الجماد ، فما بالك بالإنسان ، وما بالك إذا كان هذا الإنسان عالماً وانظر إلى الأمثلة ألم تتحول العصا إلى أفعى من فرط عشق موسى ، وألم يصبح الجبل دكاً من تجلى العشق ألم يؤثر عشق موسى على البحر فانفلق ألم ينشق القمر لأحمد ، ألم تتأخر الشمس في المغيب بأمره حتى يلحق صلاة العصر مع رفاقه ؟ ( لتفسير هذا الخبر ومناقشته انظر حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة الترجمة العربية لكاتب هذه السطور البيت 334 وشروحه ) .
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 559
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٥٩