للأمر ، وحتى عندما كان يتكدى من أجل حلقه فإن هذا الحلق مملوء بنور الله ، وهكذا الأولياء حتى ولو طعموا من نعمة الدنيا فإن هذه النعمة تتحول عندهم إلى نور وتزيد في قوتهم المعنوية ، إن طعامه أفضل من صوم الآخرين ، إن طعامه الحقيقي هو نور الله ، ومن طعامه ومن أكله تنمو أزهار المعرفة ، فهو كنور الشمع لا يزداد من أكله للشمع ، لكنه يضئ للجميع ، وهذا النور يباح الإسراف في تناوله فالله تعالى لم يقل في شأنه : اكتفوا .
( 2709 - 2716 ) : لقد وضع الله لنا شهوة الطعام من أجل أن يبتلينا ( انظر الكتاب الثالث الأبيات 1695 - 1700 وشروحها ) لكن ذلك الحلقوم الذي للأولياء لا تنطبق عليه هذه القاعدة ، وإذا كان الشيخ يتكدى فإنه يتكدى امتثالًا للأمر لا حرصاً ولا طمعاً ، إن الشيخ من القائمين بكيمياء التبديل إنه يأخذ من أناس كالنحاس ليحولهم إلى ذهب ، أي تكدٍ وهو من عرضت عليه كنوز الدنيا ففضل عليها المشاهدة ، وهذا هو ديدن العاشق إن فضل أي شئ على المعشوق يكون فاسقاً وليس بعاشق " والله ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك " ، ( الامام على رضي الله عنه ، ثم رابعة العدوية ) ( استعلامى 5 / 345 ) ويضيف مولانا إن الجنة والنار هما من حظ البدن ، والعاشق لا يأبه بالبدن ، بل لو كان له مائة بدن لأذابها في عشق الحبيب .
( 2717 - 2724 ) : وهكذا فإن شيخنا لم يكن جسداً ، لقد تحول " جسده " إلى شئ آخر ، وانظر إلى المجنون الذي أنست إليه الوحوش عندما تساوى أمامه التراب والذهب أمام عشق ليلى ، لقد هجر البشرية ، بحيث لم يعد جسده " لحماً " يغرى الوحوش ، إن أجساد الأولياء معجونة بالنور ( انظر الكتاب الثالث 7 - 10 ) وهي أيضاً مسمومة مصداقا للقول القائل ( لحوم العلماء مسمومة من أكل منها هلك ) والأكل هنا أي الذم والغيبة ( انقروى 5 / 589 ) والعشق معروف ، أي لا يخفى على أحد ( عدم إخفاء العشق انظر الكتاب الثالث 4735 - 4740 وشروحها ) .
( 2726 - 2733 ) : إن العشق عندما يحل فإنه يمحو كل شئ فالعشق مثل طائر يحمل في منقاره العالمين كأنهما حبة واحدة ، فهل رأيت حبة ابتلعت طائراً ، أو هل رأيت مزود أكل جواداً ، والعشق وسيلة العبودية ، فكن عبداً لعلك تصبح عاشقاً وترزق العشق ، والعبودية كسب وعمل ، عبد الدنيا هو الذي يريد الحرية لكن العاشق يرى كل ما سوى معشوقه قيداً وسجناً ، عبد الدنيا أجير ، إنه يريد أجراً على كل ما يقوم به من عمل ، لكن العاشق هديته
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 557
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٥٧