من المضحك أن تتحدث عن التوكل ، وأنت من حرصك وطمعك وراء المتاع الهزيل تفصد البعوضة في الهواء ؟ ! ( 2510 - 2515 ) : إن هذا الذي يكمل أمارات الرجولة وعلاماتها " اللحية والشارب " ، دون أن يكون رجلا في الحقيقة والباطن إنما يثير السخرية في الواقع ، والرجولة الحقيقية تكون في العمل " العمل هنا بمعناه العام وهو أيضاً الرياضة والسلوك والتحمل ، تحمل المشاق في طريق الرجال الحقيقيين وفي الحرب الضارية ، حرب الجهاد مع النفس ، وهو الجهاد الأكبر ، والعمل هو الدواء للرجولة الظاهرية التي تخفى وراء نفسا " مخنثة " ، فتب عن هذه الرجولة التي تثير السخرية ، وتب عن الادعاء ، وتب عن اعتبار الكلام مجرد الكلام هو عناية المراد ، ودعك من جذبة الجسد ، واهتم بجذبة القلب ، فهي التي تجلب جذبة الحق " التي تساوى عمل الثقلين " ، وإن لم تكن تستطيع فتكلف هذا ، فحتى أن تكلفت سوف تجد من يجذبك من أذنيك يجرك بالرغم منك إلى ما فيه نجاتك .
( 2516 - 2518 ) : عودة إلى قصة الحمار والثعلب ، لقد نجح الثعلب لماذا ؟ ! لأنه كان " ثابتا " ، حتى الاحتيال - يحتاج إلى الثبات وإلى المواصلة والصبر ، فما بالك بالصفات الحسنة والأهداف النبيلة ، ويذكر مولانا في البيت 2517 بحكاية وردت في الكتاب الثاني حكاية أولئك الصوفية المعدمين الجوعى الذين نزل بساحتهم وزاويتهم صوفي سياح فباعوا حماره واشتروا به عشاء ثم أخذوا يغنون ويرددون ضاع الحمار ، ضاع الحمار ، وصاحب الحمار المسروق يردد ذلك معهم ( انظر الكتاب الثاني الأبيات 517 وما بعده وشروحها ) ، والصوفي صاحب الحمار هنا مثال على المقلد وفي البيت التالي 2518 يشير إلى حكاية الأسد والوحوش التي يخدع الأرنب في نهياتها الأسد ويلقى به في البئر .
( 2519 - 2532 ) : يترك مولانا قصة حمار القصار فلا يعود إليها إلا في البيت 2564 ، فهيا إياك ووساوس الشيطان ، سد أذنيك عنها ، وأفتح أذنيك فحسب إلى ما يحدثك به الولي مما أفاء الله عليه به من وحى القلب ، إن حديثه بمثابة الخمر الصافية التي تصب من الدنان الخسروية ، والمعارف الإلهية التي تفيض من لدن الحكيم الخبير مرت بهذه الشفة المباركة فازداد تأثيرها ، وما تميل هذه النفوس إلى خمر الدنيا هذه إلا لأنها حرمت من تلك الخمر الصافية ، خمر الولي ، تماما كالطائر الأعمى الذي يحرم من الماء العذب
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 549
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٥٤٩