تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
حياته " سيد نفسه " إلى غير ذلك من التعبيرات المضحكة ، فيسقط سقوطاً ذريعاً في الكبرياء الذي هو ضريب الشرك ، القرون السابقة بادت لأنهم ظنوا أنهم " قادرون عليها " أي قادرون على الأرض مسيطرون يفعلون ما يشاءون ، وإليك المثال الأول عن الكبرياء : عزازيل " إبليس " عندما عصى عن أمر ربه كان يسمى عزازيل وكان من الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون لكنه لم يتحمل السجود لآدم ، كان مانعه الكبرياء ، ومن الكبرياء كان العصيان الأول ( يضيق بنا هنا المقام إن ذكرنا المواضع التي ذكر فيها إبليس أو عزازيل في المثنوى ، فلا يكاد يوجد كتاب من كتب المثنوى الستة لم يذكر فيها أكثر من مرة ، إنه المعادل الموضوعي لآدم ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أدى الحسد إلى العصيان والتكبر والضلال والإضلال ، وهكذا النفس إن أرخيت لها حبال العصيان خرجت من معصية إلى معصية ، لقد ظن إبليس أن النار أسمى من التراب ،
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
( الأعراف 12 ) ، كانت نار غضبه تشتعل من داخله فتلقى بلهيبها وألسنتها خلطاً وكفراً وتجبراً وعصياناً ، ومن هنا قيل " الولد سر أبيه " إنه ابن هذه النار والمعبر عنها والمخبر عن صفاتها من إحراق وغيره ( عن الحديث انظر الكتاب الرابع الأبيات 3116 - 3119 وشروحها ) . ( 1927 - 1936 ) : الآية المذكورة في العنوان الرحمن 15 والآية الثانية
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
( الكهف 50 ) ، ويذكر مولانا حديث " الولد سر أبيه " ثم يستدرك ويراجع نفسه ، إنه هنا يتوسل بالأسباب والعلل ويبحث عن علة يبرر بها عصيان إبليس ، ويقول أنها من أصله لا إن الأمر كله لا يعدو قهراً من الله تعالى عز وجل ، فلا يرتبط عصيانه بكونه مخلوقاً من نار لأن من الجن من آمن والله تعالى مبرأ من العلل
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *
في صنع متواصل مستمر طاهر مبرأ من العلة التي هي حادثة وعرضة للتغير والتبدل ، ولا يصح أن يذكر هنا الأب أو سواه لأن مرجعنا جميعاً إليه ، وخلقتنا جميعاً منه ، وما الآباء إلا مجرد صور جعلها الله سبباً للخليقة وإلا لو شاء لخلق من غير أب " عيسى عليه السّلام عليه " بل من غير أب ومن غير أم " آدم عليه السّلام " ، هذا هو اللباب وما سواه قشور ، لقد قبل من قبل دون علة ورد من رد دون علة ، والحقائق لا تتقلب فالعشق هو رفيقك أيها المرفه الذي في هشاشة البندق ، إنك قدمت الجلد ، والقشر حتى تصبح مصداقاً للآية الكريمة
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 518 | جلال الدين الرومي