استخرج القمح منه ، ولا صنع منه الخبز ، فالموت هو الذي يصفى الحياة مرحلة بعد مرحلة ويجددها ، ولو لم يوجد لجأر الناس بالصراخ مطالبين به ( انظر لتفصيل هذه الفكرة ، الكتاب الرابع ، الأبيات 3001 - 3008 وشروحها ) ، وذلك الذي يكره الموت لم ير ميتا حتى يسأله ، وآنذاك سوق يكتشف أن الموتى لم يعانوا قط حسرة الموت بل كانت حسرتهم كلها من أجل الفوت ، أي فوت فرصة العمل الصالح . كما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : [ ليس للماضين هم الموت إنما لهم حسرة الفوت ] ( انقروى 5 / 405 ) . يتمنون لو يعودوا ليعملوا صالحا ، كلا ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ، إن الذي يقف عند ظاهر الحياة الدنيا ، يلعب النرد لعبة مقلوبة ، ويفهم الأمور على عكسها ، ويلقى ببذوره في الأرض البور ، ويترك أرض الله الواسعة ( عن أرض الله الواسعة ، انظر الكتاب الرابع ، الأبيات 2380 - 2383 وشروحها ) إنه عقلك الكاذب الذي يبعدك عن عقلك الإيمانى ويبدي لك الأمور مقلوبة إلى هذا الحد ، وإلا فأية نسبة بين البئر ( الدنيا ) والخلاء ( الآخرة ) ذات المتعة واللذة والسعة ، وأية نسبة بين إيوان الباطل و
مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
أية نسبة بين خمر الدنيا التي تخمر من المخيض ، وبين خمر الخواص اللذة للشاربين ، وهكذا ، إن لم تكن قد عشقت حياة تحسد عليها ، فمت موتا كموت الرجال تحسد عليه ، وانتهز ما يتبقى من العمر ، وهكذا يكون موت الرجال بديلا مطروحا لحياة الذل والمسكنة .
( 1772 - 1786 ) : العنوان :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
( الشورى / 28 ) . والعبارة " رب بعد يورث قربا ورب معصية ميمونة ورب سعادة تأتى من حيث يرجى النقم " ، ليست حديثا كما ينص مولانا في البيت الأول بل هي من أقوال الأولياء ، ويضرب إسماعيل الانقروى مثالا على المعصية الميمونة بهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قبل إسلامه بالاعتداء على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وكان في ذلك إسلامه ، والسعادة تأتى من حيث يرجى النقم هي اللطف في ثوب القهر وقد مر ، والآية
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
( الفرقان : 70 ) . ويرى استعلامى أن هناك رواية مشابهة في حلية الأولياء لأبى نعيم الاصفهاني ( لم يحدد في أي جزء ) ( استعلامى 5 / 302 ) وكما أن " الناس نيام إذا ماتوا انتهبوا " ، وكما أن " النوم أخ الموت ، . وأهل الجنة لا ينامون ولا يموتون ( كنوز الحقائق ) ، والحديث النبوي : [ إنكم لتموتون كما تنامون وتبعثون كما تستيقظون ] " أحاديث مثنوى / 164 ) . وكما أن النوم هو " الموت الأصغر " ، فالصبح أيضاً هو الحشر الأصغر