كل شئ ، فإياك والحرص أيها الحقير التافه الذي ولدت من حقير تافه لم يعلمك أن تكون مقسطاً في مطالبك ، وإلا فكل حريص محروم والحرص يوقع المرء في الفقر كما قال الإمام على رضي اللّه عنه .
( 1404 - 1417 ) : إن الجارية تنعى سيدتها وتنقدها وتقدم الدرس المستفاد من الحكاية هذا الدرس الذي يقول أن كل من يظن نفسه استاذاً ويستنكف عن السؤال عما لا يفهم فإنه في الحقيقة يقوم بعمل أخرق وأهوج يعود بالسوء عليه هو نفسه قبل كل الناس ، ومستويات هذا الدرس عديدة بداية من ذلك الذي يأخذ من أستاذ حرفته علماً ناقصاً ، ثم يبدأ في الاستقلال عنه فلا يكون مثله ، إلى ذلك المتعلم المستفيد الذي يظن نفسه استاذاً قبل الأوان ، إلى ذلك المريد الذي يظن نفسه قد أصبح شيخا وفي غنى عن إرشادات الشيخ فهو يضرب في كل بيداء على الشبهة وعلى الظن الذي يعتبره علماً ، وما أشبههم جميعاً بهذا الطائر الذي ترك البيدر وطار في أثر كل حب فسقط في الشراك وأخذ الشراك بعنقه ، وأكل العاقل لنعم في مقابل تجرع الجاهل للأحزان وحمل هموم الدنيا من أفكار سنائى الغزنوي ( الأبيات 5499 - 5502 من حديقة الحقيقة ) والشراك هو الطمع والتقاط الحب يعنى طلب القوت من غير موضعه " أو طلب العلم من حيث لا ينبغي " أو طلب الإرشاد من مرشد مزيف أو من لا مرشد على الاطلاق ، إن هذا يكون أشبه بالطائر الذي يلتقط الحب وهو في الشراك ويكون في هذا الحب موته ، وهكذا شراك الدنيا وشهواتها ، وهكذا العوام في شراك الدنيا وشهواتها من أموال وأولاد وجاه ومنصب و . . . إلى آخره ، إنهم لا يزالون يرعون كالبهائم حتى تأخذهم سكين الأجل ، وماتوا وهو في شراك الدنيا بعكس الطيور الذكية التي ابتعدت عن هذه الشباك ، والعاقبة أن الطيور البلهاء أصبحت لحومها طعاماً للنار ، أما الطيور الذكية فهي في غناء وتغريد ، وصاحب الشباك هو الله الواحد القهار ، وهو بشباكة التي يضعها في الدنيا يستطيع أن يميز بين طيوره الذكية وطيوره الغبية .
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 487
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤٨٧