تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
وما جعل الله العدم عاشقا للعدم ، إلا لكي يضرب العدم ببعضه ، فيحمى سوق الدنيا القائم على الغفلة ، وينقلب العدم إلى وجود ، فهذا التحاسد هو الوقود الذي يجعل هذه الدنيا تبدو ذات وجود حقيقي . ( 1210 - 1216 ) : لولا أن جعل الله من الشريعة عامل تلطيف في هذه الدنيا ، لفنى الناس تحاسدا وتباغضاً ، ولاشتعلت نيران الحسد في كل مكان ، ولاعتدى القوى على الضعيف ولأكل الغنى الفقير ولانقلب المجتمع إلى غابة ، والشريعة واضحة ، من خلالها يعلم كل إنسان حقه ، ولا محيص له من قبول ما تحكم به الشريعة لأنها من لدن لطيف خبير يعلم من خلق ، وليست من وضع إنسان ، يعرضها كل لحظة للتغيير والتبديل ، والذي لا يقبل الشرع يبقى شيطانا حسودا يملأ هذه الجيفة القبيحة المسماة بالدنيا حسدا وحقدا . ( 1216 - 1224 ) : هكذا عندما تغيب الشريعة عن مجتمع ما ، فإن الذي يسطر على هذا المجتمع شياطين الجن وشياطين الإنس ، فمن اليسير الاحتيال على قوانين الأرض ، لكن متى كان الاحتيال على قوانين السماء ، ويستوى شياطين الجن وشياطين الإنس في جعل الأرض على هذه الدرجة من السوء والتدنى والتباغض والتحاسد والتقاتل ، وسرعان ما تطبع الشياطين بني آدم بطابعها الذي يغلب عليه الحقد والحسد
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
( الأنعام / 112 ) ، وانظر إلى مجتمع غابت عنه الشريعة ، وترك الناس ينطلقون وفق أهوائهم وغرائزهم دون ضابط أو رابط ، كلهم ساقطون في حبال الشيطان ، يستعين بهم الشيطان يجعل منهم المحتال والنصاب والقواد والديوث ، ينقلب المجتمع إلى قطعة من جهنم حيث لا قيم ولا أخلاق ولا فضيلة ولا علم ولا فن ، بل تدن وسقوط وانهيار ، وغيبة للعقل والمنطق والوعي ، وسقوط للبشر يوما بعد يوم ، بحيث يحتاج بقاء المرء نظيفا إلى قوة فوق قوى البشر . ( 1226 - 1235 ) : عودة إلى قصة الخليفة ومدعى النبوة ، فالخليفة يسأله عن وحيه وعما