البيت وفي الزاوية وفي السوق ، وفي الحمام مستعدا لكتابة ما يعن لخاطر الشيخ ، فمهما قال مولانا عن حسن حسام الدين أنه أنه الجاذب للمثنوى ، وأنه ببركته . . . إلى آخره ، فليس من المعقول أن يكتب هذا السفر من أجل مريد أيا كان هذا المريد ، ولا حتى من أجل مريديه ومن أجل أهل زمانه ، فقد كان مولانا يحس أنه يكتب من أجل القرون - أو بتعبيره يقدم هدية للقرون - ومثل هذه الشخصيات الفذة تظهر في مرحلة من مراحل تاريخ أممها ، فتحس أن ثمة مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقها هي حفظ تراث ما للأجيال القادمة ، نفس الإحساس الذي كان عند الفردوسي الطوسي عند نظمه للشاهنامه ، وعند الغزالي عند كتابته لإحياء علوم الدين ، وعند سنائى عند نظمه لحديقة الحقيقة ، وكان مولانا يحس بوطأة الهجوم المغولي وما يسببه من دمار لركائز الثقافة الإسلامية الحقيقية ، والرواية التي تروى عن بداية نظم المثنوى - حتى وإن كانت رواية - ذات دلالة حقا ، فمجرد أن سأله حسن حسام الدين كتابة منظومة للطريقة ، أخرج بدايتها من عمامته ، أي كان قد بدأ فيها قبل أن يسأله حسام الدين ، وثمة نقطة أخرى ينبغي ذكرها هنا ، وهي ذات دلالة ، أن أجزاء المثنوى تتدرج تتدرجا صعوديا من ناحية السهولة والسلاسة ، فبينما يتسم الكتابان الأول والثاني بقدر كبير من الصعوبة وغموض المعاني في بعض أقسامهما ، تبدأ السهولة والسلاسة الحقيقة من الكتاب الثالث ، ترى ما هي دلالة هذه الملحوظة التي لم يلحظها أحد من الباحثين من قبل ؟ ! إن مولانا كان يحس أن الأجيال الآتية قد تكون غريبة عن أسس هذا العمل ، ومن ثم كانت السهولة والوضوح هدف قريبا له ، فضلا عن خضوع البيان الشعرى له بتقدمه في المثنوى وهو ما سنناقشه فيما بعد .
4 - هل من المعقول أن يكون المثنوى كتابا تلقائيا ينظم في جلسات المريدين وهو
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 8
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٨