الدنيا من زخرف ، مثل هذا الملك يستمد نوره من الله تعالى مباشرة ، وهكذا صاحب الخزانة ، خزانته الحقيقية ذاته ، وليست خزانة أمواله ، لأنه إن كان بخيلا أو حريصا أو مقترا ، لما كان لخزانته قيمة في الدنيا أو الآخرة ، ومن فنى وجوده ، وجد وجوده .
( 1475 - 1479 ) : يعود إلى القصة في بيت واحد فيقول أن السيادة الحقيقية كانت للقمان العبد ، أما العبودية فكانت لسيده . هذا إذا وضعت القيم الإنسانية أساسا ومعيارا للبشر ، ثم يتحدث مولانا عن أمارات هذا الوضع في الدنيا المقلوبة التي تسمي الأشياء فيها على عكس طبيعة مسمياتها ، فتسمى الصحراء بالمفازة ، ليس هذا فحسب بل يصنف الناس بملابسهم ، فإن ارتدى قباءً قيل من العوام ، وإن إرتدى خرقة قيل زاهد ، وزهده رياء ، وينبغي نورٌ يميز به بين زهد الرياء والزهد الحقيقي .
( 1480 - 1488 ) : نور رجال الحق فحسب هو الذي يستطيع أن يميز ، فهو النور الذي لا تقليد فيه ولا شائبة ، وهو الذي يستطيع أن يدرك حقيقة المرء دون أن يتحدث ، ودون أن يصدر منه فعل ، فهم جواسيس القلوب ، والتعبير هنا مأخوذ من عبارة لأحمد بن عاصم الأنطاكي ( وعند الأنقروي لأبي يعقوب السوسي 2 / 240 ) : " إذا جالستم أهل التصوف فجالسوهم بالصدق ، فإنهم جواسيس القلوب ، يدخلون في إسراركم ، ويخرجون من هممكم " ( أحاديث مثنوي / 55 ) . إنهم يتسللون إلى بواطنهم كالخيال فيدركون ما في هذه البواطن ، وهم كالبزاة ، والناس بالنسبة لهم كالعصافير . ولما ذا تستبعد هذا ؟ أية قيمة لأسرار الناس وما يضمرونه بحيث لا يستطيع أن يدركها المطلع على الأسرار الإلهية ؟ وإذا كان محلقا بفكره على ما فوق الأفلاك ، فكيف يخفى عليه
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 402
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤٠٢