الصبح الصادق ، ومعارف الدنيا بمنزلة الصبح الكاذب ، المعارف الحقيقة هي الخمر ولونها الحقيقي ، ومعارف الدنيا هي لون الكأس ، ولا طريق لك إلا بالصبر والتأمل ، فتختفى عين الحس ، وتظهر عين الباطن التي ترى الأشياء على حقيقتها والألوان على حقيقتها وتميز بين الحجر والدر ، حجر الدنيا وحصاها الذي نملأ به حجورنا تماما كالأطفال وتظنها كنوزاً ، ودر بحر الحقيقة وأسرار الغيب ، بل تصير أنت نفسك بحرا فيستخرج منه الدرر ، وتفيض عنه الأسرار ، ولا تصبح بعد قابلا للنور ، بل تصبح أنت نفسك مصدرا للنور .
( 762 - 766 ) : العامل يكون مختفيا في عمله ، العمل يدل على العامل ، وكل عامل يقول : هذا عملي ولا يقول هذا أنا ، وإنك لا ترى سوى العمل ، فإذا كنت تريد أن ترى العامل فاذهب إذن إلى محل عمله ، وأنت تعلم موضع عمل الصانع الأول ومادة عمله ، إنه العدم ، فكن فانيا ، وكن عدما ، تصل إلى موضع العدم وموضع الصانع ( أنظر 3241 من الكتاب الأول و 693 من الكتاب الذي بين أيدينا وشروحها ) .
( 767 - 778 ) : مهما بحثت في الوجود فلن تجد شيئا ، دبر وفكر وامكر وانسج الحيل ودبج الأكاذيب ، ورتب المقدمات ثم انظر إلى نفسك لم تصل إلى النتائج التي كنت ترجوها ، تماما مثل فرعون ، فعل الأفاعيل لكي يمنع ميلاد موسى ، وولد ، وقتل الأطفال لينجو من نبوة الشؤم على ملكه ، وموسى المستهدف المقصود ربيبه الذي يصنع على عينه ( أنظر التفصيلات الكتاب الثالث ، الأبيات 840 - 969 وشروحها ، وعن الفلسفة الكامنة وراء قصة موسى وفرعون المفسرة في كتب المثنوى الستة أنظر مقدمة الترجمة العربية للكتاب السادس ) ، وما أشبه فرعون هذا بمن يهتم بالنفس فتتسلط عليه ويكون خسرانه كله منها ، لكنه لا يزال يتهم هذا ويتهم ذاك ، وعدوه كامن بين جنبيه
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 367
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٣٦٧