تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
الخالدة . . . ولو لم يشرع الله القصاص لما استطاع أحد أن يتحمل أمر الله . . . لما استطاع عمر رضى اللّه عنه أن يقيم حداً من حدود الله على ولده . . . فلا تطعن إذن في الأشرار واشكر الله سبحانه وتعالى على النجاة ( في حكاية الغامدية بعد إقامة الحد عليها أخذ الناس يتغامزون عليها في المسجد فنهاهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قائلا : إنها تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم جميعا ) وهنا تتجلى نزعة مولانا جلال الدين الإنسانية - وهي سمة سائدة عند كل الصوفية - وعلى العصاة ومرتكبى الذنوب وانكسارهم وذلهم أمام الخالق . ( 3908 - 3917 ) : يواصل مولانا الحديث عن عُجب الصالحين وأمنهم ونظرتهم إلى الأشرار نظرة سيئة فيها احتقار ، وهو يلبس المعاني هنا أشخاص لتجسيدها ، إذ لم أجد مصدرا لهذا الحوار بين آدم وإبليس ، وغيرة الحق هنا لأن آدم أثبت لنفسه وجوداً وحاسب إبليس على زلته ، وهو لا يدرى أنه من الممكن للقدرة الإلهية " أن تقلب الفرو " أي أن تجعل اللطف قهرا والقهر لطفا فتجعل من إبليس توابا أواباً يحيل الله كل سئياته إلى حسنات . وسرعان ما يثوب آدم إلى رشده ، فيعتذر عن خطئه ويطلب من الله العفو والمغفرة ، وأن يثبته في جريدة أهل الصفاء ، وألا يزغ قلبه بعد إذ هداه ، وأن يثبته في مقام القرب فليس أمر على المرء من البعد بعد القرب ، والمنع بعد العطاء ، وليس الطرق غير طريقه إلا إعوجاج في اعوجاج ، ليس ثم طريق فيه الهداية إلا طريقه سبحانه وتعالى ، فالأصل ليس الحول والطول ، لكن رعايته سبحانه وتعالى ، وهدايته لعبده ، وقبوله إياه ، وحمايته له . ( 3918 - 3922 ) : إن متاعنا الدنيوي قاطع لطريق متاعنا الأخروى ، وأجسادنا هي التي تسرق متاع أرواحنا ، وأيدينا تسد الطريق أمام أقدامنا . . . نحن الوجود المتضاد : جسد وروح ، طين ونفخة إلهية ، سمو إلى العلا وميل إلى الحضيض ، كله فينا يا رب العالمين ، ولا نجاة إلا باللجوء إلى جمالك والوقوف ببابك ، فإن نجت أرواحنا من أدران الجسد دون اتصال بك ، فإنها تظل دائما في خوف وهلع ، فهي في نجاتها ليست ثابتة ، وفي خلاصها ليست آمنة من الزلل ، لأنها لم تكسب المعركة نهائيا ، ولن تكسبها إلا إذا انفصلت ثم اتصلت ، انفصلت عن الجسد واتصلت بالله ، وإلا سوف تظل عمياء حزينة ميتة وان نجت من سجن الجسد .
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 590 | جلال الدين الرومي