تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
فإن العبد إذا أراد أن يرى نفسه في مرايا الحق عليه أن يصبح فانيا ، وعندما يرى الإنسان نفسه عدما ، يفيض عليه الحق وهو الغني المطلق ، وعندما يفيض عليه يتجلى الحق . يقول عبد الوهاب الشعراني " واجهد نفسك عندما ترى الصورة في المرآة ، أن ترى جرم المرآة ، فإنك لا تراه أبدا ، لكن إن قلت أن المتطبع في المرآة صورتك صدقت ، لأنها نشأت من مقابلتك ، وإن قلت غير صورتك صدقت ، لأن صورتك لم تنتقل ، فافهم " ( مولوي 1 / 585 ) ثم ينزل مولانا جلال الدين بمستوى التعبير قليلا ويقدم صورا من الواقع المعاش : ما لم تبدُ الحاجة لا يكون العطاء " لا يفور اللبن من الثدي إلا إن كان ثم رضيع باك " وحيث ثم جائع يكون الخبز ، وإن كان ثم عود حرق لا بد أن يكون هناك زند ، والحائك الماهر لا يخيط ثوبا جاهزا ، والنجار لا يسوى خشبا مشكلا بل يأخذ فرعا لم يسو بعد ، ومجبر الكسور يقصد مكسور القدم ، والطبيب يقصد المريض . النقص هو سبيل الكمال وهو مرآته ، فإذا كنت تريد الكمال فأبد النقص " أنا عند المنكسرة قلوبهم " والأمور تعرف بأضدادها ، وجاء في الحديث النبوي " من عرف نفسه فقد عرف ربه " أي : من عرف نفسه بالتذلل عرف ربه بالتفضل ، ومن عرف نفسه بالحقارة ، عرف ربه بالجلالة ، ومن عرف نفسه بالفناء ، عرف ربه بالبقاء " ( مولوي 1 / 586 ) ( 3225 - 3233 ) : المهم أن تدرك أنواع النقص فيك ، فإنك إن عرفتها أسرعت في إصلاحها بسرعة عشرة جياد ، فإذا كنت تظن في نفسك الكمال . . كيف تسرع إلى ذي الجلال ، وويلك من هذا العُجب وهو أكبر آفات النفس ، ويجر عليك الويلات ، وأفظعها قاطبة غضب الله سبحانه وتعالى " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني ردائي وإزاري ، قصمته ولا أبالي " ، وألا فلتعلم أن الكبرياء كان الداء الأكبر عند إبليس اللعين ، وهو الذي دفعه إلى عدم السجود لآدم (
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
) ( الأعراف / 12 ) والكبرياء في الإنسان أخفى من البعر في الجدول الصافي " أو أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء " و " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " ولا سبيل إلى علاج الكبرياء إلا من وجهين : أحدهما أن ينظر المرء إلى النفس بعين الحقارة ، فيرى خسة طبعها وركاكة نظرها ودناءة قيمتها وأنواع عيوبها وتمردها على الحق وتعلقها بالباطل وخباثة ذاتها ودمامة صفاتها وتعديها وظلمها لنفسها ، ومع ذلك يرى عجزها وفقرها وذلها وضعفها ومسكنتها .