والمقصود بمنازل الروح سيرها من مبدأ الوجود إلى منتهاه عند اتصالها بالله مرة أخرى ، وأجد منازلها ارتباطها بالجسد هنا ، فحدثه عن موطنها الأول عندما كانت كطائر العنقاء قوة وعظمة وبهاء من القرب ، بحيث لا تدركها همة طالب ولا نهمة مشتاق ، لقد انطلق عمر رضي الله عنه في الشرح لرسول الروم ، لأنه وجد رسول الروم وإن كان من الأغيار إلا أنه يحمل روح مشتاق ( وهكذا يشترط مولانا دائما ، ويقول إن الله تعالى يلقن الحكمة على لسان الواعظين بقدر همم المشتاقين ، أنظر الكتاب السادس ، الأبيات 1663 - 1670 وشروحها ) .
( 1456 - 1465 ) : يسأل رسول الروم : هذه الروح وقد شبهتها بهذا الطائر الخرافى المهول الذي لا يحده حد ، كيف هبطت من عليائها بحيث صار هذا الجسد المحدود قفصاً لها ؟ ! انها الكلمة الإلهية " كن " التي يعبر عنها مولانا هنا بالرقية أو العزيمة ، وهي التي تجعل الموجودات تسرع من العدم إلى الوجود بالكيفية التي يشاءها الله ويريدها أن تكون عليها ، وتماما عندما يريد أن يردها إلى العدم ، هذه هي كلمة الله السارية في كل الموجودات . يجعل بها الورد ضاحكا والحجر جوهرا والجسد روحا والشمس ساطعة حينا مصابة بالكسوف حينا آخر ، والسحاب ممطرا للدموع من المآقى ، والأرض ساكنة متواضعة تحت كل العناصر مطيعة لما أمرها عاكفة على إنجازه .
( 1466 - 1472 ) : أعمال الكائنات إذن تجليات للمشيئة الإلهية تأتى في ذهن الإنسان بتيار ، هذا التيار الذهني يؤدى إلى أعمال الجسد ، ثم إن هناك من البشر من لا يبين الله سبحانه وتعالى في بواطنهم إعمال أرادته بشكل واضح ، وكأن الله سبحانه وتعالى قد قرأ على قلبه اخذ المعميات والألغاز فيبقى في تردد : أيهما يقوم به ؟ وأيهما يفعله ؟ والخروج من هذا التردد يتم أيضا بعناية الله سبحانه وتعالى ، لكن العبد أيضا عليه مهمة : وهي ان يقلل من الاشتغال بأمور الدنيا ، أو بتعبير مولانا حشو أذن الروح بالقطن وإن لم يكن ثم اشتغال بأمور الدنيا فإن أذن الروح تستطيع
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 456
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤٥٦