محيط المتصور إلا والصورة صحبته ، فالمتصور بالصورة يسمّى بظاهر الصورة ظاهرا وباطنا ، ويحكم عليه بكل حكم قبلته الصورة من إطلاق وحصر وغيبة وحضور وأحدية وكثرة وجمع وتفرقة وسذاجة ولون وحركة وسكون إلى ما لا ينضبط كثرة من الأسماء والصفات .
فالصورة من حيث هي جميع التعددات والتنقلات والتحولات والتفاصل ، وللمتصور من حيث هو لا من جهتها ألا وصف ولا نعت ولا اسم ولا رسم ولا حدّ ، وإن كان له شيء من ذلك كله ولكن فبأول مرتبة صورية إطلاقية ، فله الإطلاق والأحدية والجمع والسذاجة والسكون والثبوت وشبه ذلك ، وللصورة لا من حيث هي لكن من حيث يفسد قيامها به نقائض هذه ، ولا حديث عنها ولا عنه إلا بقيد ارتباط بعضها ببعض ، ولو في أول مرتبة من مراتب الارتباط نقائض تلك ، وهي الحضرة والكثرة والتفرقة والألوان والحركات والانتقالات ، لكن لا يقع الحديث أبدا إلا عنهما معا ، وإن كان الكثرة والتعداد وأخواتها .
فتأمل كل كلام منطوق به ، فأي القسمين غلب عليه فاحكم به ، فإن كان الكثرة والتعداد وأخواتها ؛ فاعلم أن المخاطب به هو الصورة والخلق ، ولمتصورها وصفها ، وإن غلبت الوحدة وأخواتها ؛ فالمخاطب بذلك المتصور والحق ، فإذا رأيت التعدد والتنقل والحركة والولادة فذلك للصورة والخلق ، وإذا رأيت الوحدة والثبوت ، ولم يلد ولم يولد ؛ فذلك للحق القائم على كل نفس بما كسبت ، فكل شيء هالك للصورة والخلق إلا وجهه ؛ لأن الأعراض وهي الصور لا تبقى زمانين أصلا ، بل تتبدل في كل نفس إما بمثل أو ضد أو خلاف ؛ لأنها لذاتها فانية .
وإنما المسمّى بقاء يغاير توارد الأمثال في كل نفس ، فيظن أن الثاني عين الأول ، وليس كذلك ولا ينبغي ذلك ؛ لأن القائم به
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ الرحمن : 29 ] ، يريد تعالى كل نفس فيرد المثل بعد المثل ، ولا يشعر بذلك المحجوب ، فيظن أن ذلك الأول باق ، وهيهات ، لا بقاء إلا للّه وحده ، والفناء لكل ما سواه بالذات في كل نفس ، والصورة الجزئية تبقى بتوالي الأمثال ، وليست أمثالا تماما فإن مثل الشيء على التمام نفسه فقط ، فلو لم يكن بين الأول والثاني من التغاير إلا أن زمانيهما متغايران لكفى ، فكيف وثم تغاير يظهر أثره على التراخي ؛ كالانتقال من طفولة إلى شبوبة إلى كهولة إلى شيخ ، من بلح إلى رطب إلى تمر .
وأمّا مطلق الصورة فبقاؤها بعد الخلو عن صورة ما سواه كانت أمثالا لها ، أو