بحسب ما سمعت وعلمت ووجدت .
وقد خرج بنا الكلام عن الأسلوب الأول ، ولم نخرج من المقصود النافع فنرجع إلى ضد هذا المؤمن ، فنقول : والكافر هو الذي يقول ضد ذلك ، ولا يجد من نفسه أن يكون كذلك ، فاعلم .
واعلم أن جوهر النفس بما هو هو يعشق الجلال « 1 » ويجده ، ويجد الانبعاث إليه غير أنه عدم التعيين قطع به ؛ نعم ، ويعلم النسبة الكريمة على العموم ، ويجهل الحكم ، ولذلك يعظم الخسيس الخساسة في بعض المواضع ، وهو في ذلك على الأصل لا على ما يحب ، أو يحمد ، ومع هذا يحمد بلسان النسبة في كونه يحب التعظيم ، ويعلم المعظّم والمعظّم ، ويذم لكونه ما هو ذلك ، ولا عمل على ذلك ، فهو يعلم من وجه ، ويجهل من وجوه ، وذلك لأجل علل عديدة : منها الأجسام ، ولواحقها ، وقواها المتوسطة الطبيعية ، والمشتركة بينها ، وبين العقل الهيولاني ، والنفس الحيوانية صراط لا يقطعه إلا السعداء ، والنباتية ، والمنجرّة المتطورة التي أخبر عنها القرآن العظيم .
وبالجملة القوى الجسمانية والطبيعية والروحانية ، والعادة المهلكة ، والمذاهب المبعدة ، والكل ، والملل ، والخسوف ، وفساد التوجه ، وعدم المرشد ، وقلة المساعد .
جميع ذلك كله من أجزاء ماهية القواطع لها ، فالسعيدة هي التي استجابت إليه ، ورسوله في وقت الدعوة ؛ لأنها وردت بالأدلة الأصلية الواقعة في فص النفس المناسبة لها الصادرة من عالمها الصحيح النصيب السالم من كل الجهات ، الآخذ عن اللّه من غير شيء مشغل غريب ؛ ولذلك يحمد الأمر الغريب هنا ، ويذم في ذلك العالم ؛ لأن الخير عندهم هو
هامش
( 1 ) إن الجلال حضرة لائقة بالمشاهدة لأنه اسم ظهر اللّه به مخصوصا بالثنوية وهو تمكين اسم الجميل فتظهر عليه صفة في حال الناظر والمنظور ليحصل له هيبة وخشوع مع محبة فالجميل للمحبة ، فلما رفع المحب إلى مقام أعلى من موطن المحبة الذي هو الظاهر . فازداد الاسم صلة بغير زوال عينه ، ولما كانت هذه الصفة لائقة بالمشاهدة وهي الجلال خرج الشاهد في شهوده من مقام إلى مقام لأنه لا يتغير عليه صفة إلا بخروجه من محله في شهود واحد ، فالجلال مختصة باللّه دون الجميل وغيره لكونها تنشأ عن التعظيم وكل تعظيم ناشئ عن عظمة اللّه تعالى ، وإذا حصل للشاهد شهودا في خلع واحد يكون هذا الشهود أشد تمكينا من الشهود الواحد ، والتمكين عبارة عن الاستعلاء لكن الاستعلاء على ضربين : استعلاء وصف واستعلاء معنى ، فالعارف الكامل له استعلاء الوصف ويتعالى عن استعلاء المعنى إذ استعلاء المعنى هو على بني الجنس بشرط الاستقلال لجهة دون جهة ، والعارف لا جنس له ولا حصر فيحل عن هذا المقام المعنوي ، ولما كان هذا العارف متصفا بالاستعلاء اتصافا فأخرج من مقام الشهود إلى مقام الجلال .