فهو يكشف له أنه عين المعنى المجموع الذي إليه تصل العناية العلمية والعملية ، ومع كل محمود محترم يشار إليه فهو الذي أحاط بها ، وجميع ما تفرق في الأنبياء اجتمع به ، وله ولأمته وفي ملّته صلّى اللّه عليه وسلّم .
وأمّا النور الخامس والعشرون : وهو ( نور الحصر )
؛ فهو النور الذي يكشف له عن الخواص عن المراتب ، وعن المنامات حتى عن أقصر ما يمكن ، فإذا قدرنا أنه نالها لا يجد أحد بعده ما يطلب ، مثل ما تقول يتيمة الدهر عند الملك لا يملكها أحد معه ، كذلك القول فيه ، فله الوسيلة والدرجة الرفيعة ، فهذا هو الحصر ، فإنه الذي ملك الأوفى من الكل .
وأمّا النور السادس والعشرون : وهو نور ( العلامة والدلالة )
؛ فهو الذي كشف له صلّى اللّه عليه وسلّم صورة منتظرة ومعتبرة ، فإن الكتب نطقت به ، وكذلك الصنائع العلمية كلها حتى الكهانة ، ومن علاماته أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم ما ظهر عليه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى خاتم النبوة الذي بين كتفيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما كان قط لأحد ، ثم علامات صدقه المتأخرة ، وهذا يكشف له أنه كذلك وحده ، ومما ينبغي أن يقال لأهل الكتاب هذا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخبرنا عن أمور قد ظهرت بعده ، حتى إن من بعض أتباعه لو تحدّى بها لم يعلم حدود رسوله ، وجد الصواب في قطع الخصم ، وأنتم ما الذي أخبركم به هذه أنواره .
وأمّا النور السابع والعشرون : وهو ( نور الخصوصية )
؛ فهو الذي يكشف له أنه لا مقام أمامه ، ولأمر ما بعده ، والسعادة الإلهية ، فإنه نال ما منعه الغير في السعادة .
هامش
بوجه من الوجوه ، ولا باعتبار من الاعتبارات ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ومستندهم في هذا الكشف والبصيرة ، وما أمدّهم اللّه به من الفراسة وصدق السريرة ، مع ما يؤيد ذلك من الأحاديث والأخبار ، ويؤكده من الإشارات الجليلة المقدار .
وقد خرج أنها أقاويل خمسة ، وأن الثلاثة المتوسطة منها مقبولة عند العلماء ، والأول مردود عند أكثر العارفين والفقهاء ، والأخير هو المعول عليه عند كثير من أهل اللّه ، كما يأتي بسطه بحول اللّه .
وإذا تقرّر هذا وعلم ، وتأمل وفهم ، فلنشر بعده لما عثرنا عليه في المسألة من الآيات والأخبار والآثار ، وما يتعلق بها من كلام الأئمة النظار ، حتى تتبين أدلتها وتتضح لكل ذي بصر محجتها ، وتزداد الأقاويل بها بيانا والقوة فيها قوة وبرهانا ، ونختم بكلام أهل البصائر من الأولياء والصلحاء الأكابر ؛ لأن كلامهم في هذا الباب هو الذي عليه المدار ، وهو أولى بالاعتماد عليه والتعويل والاعتبار ؛ لصدق فراستهم ونورانية بصيرتهم .