تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الذي فطرك عليه ، ولم يعقد قط منهم ، ولا منه عن العالم المفارق ، وسائر الذوات المفارقة . فإذا بلغت النفس السعيدة دعوة اللّه في الأرض أجابتها بماهيتها من جهة الوجود لا أنها سمعت ففهمت فحكمت فقبلت ، وهي دعوة اللّه الصحيح التي لا يصحّ من صاحبها الفكر بوجه من الوجوه فإنها ماهية ، وتغيرها من جهة وجودها أو كونها ذاتا لمضافها ، لا يمكن ارتفاعها قط في الوقت الذي يشار إلى مجموع ذلك ، ويعلم بقيد الوجود أعني : الإنسان بما هو إنسان ، وقد يتغير المحلّ من جهة الأمور الطارئة عليه ، وتغير الصفات وتبدلها لا يناسب تغير الذات . ولا يقال عليه هذا القول ، فإن الموضوع إذا ثبت ؛ جاز تبدل الأعراض عليه ، وإذا كان الأمر بالعكس عدم الجميع ، وكذلك النسيان لا يصحّ من هذا المدعي ، فإنه لا ينسى ذاته وجميع ما أشبه ذلك هو كذلك ، وأي شيء أكبر من هذه الدعوة العزيزة ؟ فمن جاء إلى اللّه بهذه الماهية ؛ جاءه الكمال بالضرورة صحبة ذلك ، فإنه إذا كان الإيمان شبه طبيعة المؤمن ، والإيمان هو الشرط ، والمقدمة الصادقة ، وقد كان المطلوب كما ذكرنا ؛ لأن الجوهر المفارق من صفة نفسه تحت ربه الأعلى ، وما منعه من ذلك في الكافر إلا الحامل القاطع المهلك . فدعوة النبي جاءت تطلب الضرورة من الكامل لا لأن تذكره فقط ؛ بل لأن تعلمه ما بعدها ، وتستريح به نفوس الممجدين ، وجاءت تذكر الجاهل المشتغل بغير إنسانيته ، ويكون عليه حجة بعد ذلك ، واللّه يستعان على ظلم عالم الطبيعة ، فكان على ظلم النفس لذاتها ؛ لأنها حرمتها عالمها الذي معرفة اللّه فيه طبيعة أهله ، ومن نظر هذا النظر في النفوس يعتقد بحسبه رحمة اللّه في الآخرة بعد حين للعام والخاص ، فإنها وإن كانت شريرة ، فقد تجردت هناك ، وكانت مع هذا التجرد تفعل بحسبه ومفهومه ، ليس إلا الحب والعلم ، وطلب الأولى . وإلا فلا يقال مجرد فإن القائل : « النفس تجردت » إن أراد أن جوهرها خدم الجسم ، وهو متصل بها فلا علم له نعم ، ولا عقل مستفاد ، وإن أراد بالتجرد الخلاص من المشغل وترك استعماله ، وذلك المشغل خارج عن النفس بالحد والرسم يلتزم ذلك كما قلناه ، وقد ذهب إليه بعض المرجئة والرحمانية ، وبعض أهل التصوف ، ويوافق بعض الفلاسفة في ذلك ولولا خوف التطويل كنت نعرفك ذلك كما يجب إلا أنه يقال للمتكلم بهذا ، والقائل به وهو من المتشرعين بالوجه الذي يعتبر بعض اعتبار الأشياء راجعة لإرادة