تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وانتهى الأمر عنده ، وصور التكميل بالجملة ، وهذا أظهر له صلّى اللّه عليه وسلّم أنه خير الرسل ، فإنه نسخ
هامش
هذا الوجود مرتين مرة بطريق التفصيل في أطوار رقائق الأنبياء والمرسلين قبله ، ومرة بطريق الإجمال . ومعلوم أن الإجمال بعد التفصيل ، ولهذا ختمت به النبوة ، فلا نبي بعده لتمام التفصيل بإجماله صلّى اللّه عليه وسلّم ، انتهى منه بلفظه . وقلت : فهو صلّى اللّه عليه وسلّم النسخة الصغرى وهي العبد الكامل الذي كان مظهرا لكل اسم إلهيّ من غير أن يغلب عليه اسم من الأسماء ، ويسمّى من وجه بالخليفة والنائب ، وهو الرداء على الحق ، وقد يستهلك بالحق بحيث لا يظهر له وجود عين أصلا ، فيكون حقّا كله والانفعالات تقع منه من غير أن تنسب إلى شيء من وجوده . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « واجعلني نورا » : أي حقّا يظهر في كل شيء ولا أظهر بشيء ، وقد يستهلك الحق به ، فكل شيء ينسب لوجوده ، ويكون هو المرتدي والحق رداءه ، فالمرتدي هو المستهلك فيه ، فإذا كان العبد رداء كان هو الظاهر والحق باطن ، وإذا كان الحق رداء فالأمر بالعكس . وقد أشار حضرة الشيخ الأكبر إلى هذا في المسائل الترمذية بقوله : أنا الرداء ، أنا السر الذي ظهرت في ظلمة الكون ؛ إذ صيرتها نورا ، فهذا الخليفة مع صغر حجمه جمع مظهره وعينه كل مظهر ، وعين من العلوي والسفلي ، فما من شيء إلا وهو تفصيله وجزء منه ، بمعنى أن فيه أنموذج كل شيء كما سيذكر ، لا أن الأشياء أجزاؤه حقيقة كما يتوهم ، بل هو مبدأ الآثار في كل شيء . وتمام هذه النسخة المظهر المحمدي الأتم ، وكون غيره من الكمّل متحققا بهذه النسخة ، باعتبار أنه مظهر من مظاهره صلّى اللّه عليه وسلّم التي تفرّعت عنها النسخة الكبرى ، أعني هذا العالم الكبير الهضل ، فإنه بأجمعه تفصيل مظهره صلّى اللّه عليه وسلّم في كل مرتبة . أما في الأعيان والصور فلما قدمناه من أنه أول تعين للحق تعالى ، مشتمل ومنطو على كل حقيقة إلهية وكونية ، فهو كجنس الأجناس لها . وأما في الأرواح فلأن روحه العقل الأول الذي خلق اللّه به السماوات والأرض ، بل أوجد به كل العالم ، وهو مجمل كلي منطو على كل روح وعقل ونفس . وأما في المثال فكذلك لجمع خياله . وأما في الطبيعيات فكذلك ، فإنه ظهر بصورة الهباء هيولى الكل ، واستوى على العرش ، ومنه تفصلت الأشياء حتى انتهى الحال إلى هذا النوع الإنساني الحسي الجامع لكل ما عداه ، وهو هذه النسخة ، بل هو الذي كان للحق بمنزلة إنسان العين من العين ، فبه يرى جميع ما سواه ، فالأمر في كل المراتب جملي ثم يتفصل . والجملي هو النسخة الصغرى ، وما تفصل منه وتفرع هو النسخة الكبرى ، نظير ذلك نقطة البسملة والقرآن العظيم الجامع .