هامش
أبو مروان عبد الملك بن محمد السجلماسي التاجموعتي المتوفى في صفر سنة ثمان عشرة ومائة وألف ، لما سأله عن هذه المسألة جدنا للأم المحب في الجانب النبوي المداح له العلامة المؤلف الناظم الناثر الصوفي الولي الصالح أبو العباس أحمد بن عبد الحي الحلبي الشافعي نزيل فاس ودفينها .
وقال في جوابه له : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يفارق الدنيا حتى علم كل شيء .
ولما بلغ جوابه هذا لعلماء فاس وما هو في حكمها أنكروه ، وبالغوا في التشنيع عليه حتى إن بعضهم نسب معتقده هذا إلى الكفر ، فلما بلغه هذا الإنكار رد عليهم أبلغ رد في جواب له كتبه في هذه المسألة ، وقال فيه : وإني لأفضي العجب من المنكرين لذلك مع ورود الأحاديث الصحيحة به .
ففي « كبير » الطبراني عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس » . وعن عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه مثله .
وقد تقرّر أن الاستثناء معيار العموم ، وعليه فعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم محيط بكل شيء سوى الخمس ، والخمس قد علمها صلّى اللّه عليه وسلّم بعد على ما عليه المحققون ؛ إذ هو صلّى اللّه عليه وسلّم من لدن بعثه اللّه إلى أن قبضه في الترقيات والتجليات فبحسبها ورد : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » .
« لا تفضلوا بين الأنبياء » .
ثم ورد بعد أنه علم الخمس ، وأنه سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائه .
وقال الحافظ السيوطي : أوتي صلّى اللّه عليه وسلّم علم كل شيء إلا الخمس .
وقيل : إنه أوتيها أيضا وأمر بكتمها ، والخلاف جار في الروح .
وإذا تقرر هذا علم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أحاط بكل شيء علما فضلا من اللّه تعالى فما يقال لفضل اللّه ذا فكم ؟
وقال البوصيري :دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكموفي « الصحيح » : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سلوني عما شئتم » .
ولا شك أنه كالنص في التحدي بهذه الخصوصية ، فتلحق بالمعجزات ، وما في الكتاب العزيز من الآي الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا اللّه محمول على العلم بغير واسطة .
وأما الاطلاع على ذلك بإعلام اللّه فأمر متحقق ؛ لقوله :عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ[ الجن : 26 - 27 ]
وفي « الطبراني » عن ابن عمر مرفوعا : « إن اللّه قد رفع لي الدنيا ، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة ، كأنما أنظر إلى كفي هذه » .
والقول الفصل : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم أوتي علم كل شيء قبل أن يفارق الدنيا ، وقد اتضح أن المنكر إما جاهل فيعلم ، أو ملحد فيؤثم ، ثم ليت شعري ما وجه الإنكار ؟ فإن مسألة لم تخرج عن دائرة الإمكان ، وكل ما كان سبيله ذلك ، وأخبر الصادق المصدوق بوقوعه وجب المصير إليه اعتقادا واعتمادا ،