مجموعة أنوار هذا في أصل وضعه ، وكيف وهو أيضا قد قال : « اللهم اجعلني نورا » « 1 » بعد ما عدد أجزاء بدنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا كشف له أنه النور ؛ بل نور النور الروحاني والجسماني .
وأمّا النور الثاني عشر : وهو ( نور التربية )
؛ فما كشف له عن العناية الحافظة له والعصمة الإلهية التي لا يشترط فيها العقل ، وأسباب التكليف ، والعلامات مثل السحابة التي كانت تظله ، وما ظهر في بنيان البيت ، ومصارعته لأبي جهل ، هذه كلها أنوار كاشفة لأمور خارقة للعادة .
وأمّا النور الثالث عشر : وهو ( نور الانتقال )
؛ فهو النور الذي كان يبصر في عين أبيه وأمّه ، وما سمع في ذلك بعد ما حملت به أمّه ، وكونه صلّى اللّه عليه وسلّم ورث ذلك منهم بعد ولادته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وانتقاله من الظهر الطاهر إلى الظهر الطاهر ، وحكى أبو الفضل عياض أنه كان كل من تقدم من آبائه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذا أوقع في الرحم ما أودع اللّه تعالى في ظهره من نطفة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، يجد الفراغ والكسل ، وتختل عليه أحواله كلها حتى جاهه في الناس ، هذا بالنظر إلى مكانه الأول ، وهذا النور كشف له عن نورانية نطفته صلّى اللّه عليه وسلّم .
وأمّا النور الرابع عشر : وهو ( نور النهاية
« 2 » ) ؛ فهو نور اللّه تعالى الذي ختم به النبوة ،
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 482 ) ، والطبراني في الأوسط ( 11 / 419 ) .
( 2 ) قال الشيخ القونوي : ختم نبوة التشريع ورسالته فلا يوجد بعده نبي مشرع أصلا ، وهو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى ذلك الإشارة بقوله :وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ[ الأحزاب : 40 ] .
وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في كتاب الرد المتين على منتقص العارف محيي الدين ما نصه :
اعلم أن سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم جميع الأنبياء والمرسلين ، ومعنى ذلك أنه ذائق لمشرب كل نبيّ ، وكل رسول ممن تقدمه ، فهو جامع لجميع مشارب الأنبياء والمرسلين ، ولهذا جاء بتصديقهم كلهم ، وأفصح عن مقاماتهم ومراتبهم ، وكشف له عن أحوالهم كلها ، وتنزلت أخبارهم على نفسه بما تلاه علينا من القرآن العظيم ، فنبوته أصل لجميع النبوات ، والنبوات فرع عن نبوته ، ولهذا قال عليه السّلام : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » .
وبقية الأنبياء عليهم السلام إنما كانوا نبيين حين بعثوا لا قبل ذلك ، فأصل مشارب الأنبياء كلها ، وهي روحانياتهم الفاضلة ، كالمياة المنقسمة مجموعة في مشرب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الجامع الذي هو روحانيته التي بدأ اللّه تعالى بها الوجود ، كما ورد أنه أول ما خلق اللّه نور محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من نوره تعالى ، والحديث في ذلك طويل ، ثم لما خلق اللّه طينة آدم عليه السّلام ، وسواه أجرى ماء روحانية آدم من مشرب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الجامع ، وكذلك حين خلق طينة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، وبقية المرسلين عليهم السلام على حسب ترتيب خلق طيناتهم في هذا الوجود أجرى اللّه تعالى مياه روحانياتهم التي هي مشاربهم الخاصة من ماء روحانية محمد صلّى اللّه عليه وسلّم التي هي مشربه الجامع ، ثم لما خلق اللّه تعالى طينة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أجرى ماء روحانيته ، الجامعة في طينته المخصوصة صلّى اللّه عليه وسلّم ، فظهر في