ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
[ النجم : 8 ] ؛ لأمر .
وأمّا النور التاسع : وهو ( نور التركيب )
؛ فهو الذي انكشف له به عن الغاية العظمى في التوحيد ، فإنه كان إذا فكر في الموجودات ، ثم في النظام القديم ، ثم في سر القدر ، ثم في الأمور العالية ؛ كان يغان على قلبه ، إذا ركب هذه المعلومات العزيزة .
وأمّا النور العاشر : وهو ( نور المولد )
؛ فإنه كشف له عن سعادة مولده بالبرهان الفلكي الإلهي السماوي ، فإنه كان له نصبة عجيبة لم يبصر قط في أيام العالم مثلها ، ثم ظهر يوم مولده في الآفاق مائة معجزة منها : خمود نار فارس ، وانشقاق إيوان كسرى ، وزلزلة أبداد الهنود .
وأمّا النور الحادي عشر : وهو ( نور الخلقة )
؛ فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يظهر بين عينيه النور الذي لا يخفي على أحد حتى إن من العرب من كان يغنيه في إيمانه عن طلب المعجزة والآية منه ، ومع ذلك أيضا النور في تبسمه ، وفي جبينه كما حدثت عائشة رضي اللّه عنها ، وفي موضوعه كله ، ولما كلامه وأفعاله وحركاته كل أكوانه ، وما ظهر من خلقه ، وما بطن من
هامش
وفي هذا المقام قال جبريل عليه السّلام : « لو دنوت أنملة لاحترقت » إذ وراء مقامه ليس إلا الفناء في الذات ، والاحتراق بسبحات الجمال لا سبحات الجلال ؛ لأن سبحات الجلال هي أنوار تجليات الصفات ، وسبحات الجمال هي أنوار تجليات الذات ، والاحتراق بالجمال ،فَتَدَلَّى: أي مال إلى الجهة الإنسيّة بالرجوع من الحق إلى الخلق حال البقاء بعد الفناء ، والوجوب الموهوب الحقاني ،فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ: أي كان صلّى اللّه عليه وسلّم مقدار دائرة الوجود الشاملة للكل المنقسمة بخط موهوم إلى قوسين ، باعتبار الحق والخلق ، والاعتبار هو الخط الموهوم القاسم للدائرة إلى نصفين ، فباعتبار البداية والتداني يكون الخلق هو القوس الأول الحاجب للهوية في أعيان المخلوقات وصورها ، والحق تعالى هو النصف الأخير ، وباعتبار النهاية والتدلي ، فالحق هو القوس الأول الثابت على حاله أزلا وأبدا ، والخلق هو القوس الأخير الذي يحدث بعد الفناء بالوجود الجديد الذي وهب له .
وهذا ما دامت الإثنينية أو أدنى من مقدار القوسين بارتفاع الاثنينية الفاصلة الموهومة لاتصال أحد القوسين بالآخر ، وتحقق الوحدة الحقيقة في عين الكثرة بحيث تضمحل الكثرة فيها وتبقى الدائرة غير منقسمة بالحقيقة ، وهذا نهاية الولاية .
فما أكمل نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وما أسعدنا به صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلله الحمد والمنّة على هذا النبي الكريم الذي شرف الأكوان صلّى اللّه عليه وسلّم .
لائحة سدرة المنتهى شهود الخلائق الكونية ، وقاب قوسين شهود : ( الرقائق الأسمائية ) أو أدنى شهود الذات ، ورؤيتها شهود لا أكمل منه .