هامش
ما يعطيه من السعادة ، لأقرب الحق العبد ، فإنه من حيث دلالة قوله :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : 4 ] ، عليه قرب عام سواء كان سعيدا ، أو شقيا ، فكل عبد ، في كل وقت ، تحت حكومة الأسماء الإلهية قرب من حيث تجلي اسم إلهي وبعد من حيثية اسم آخر ، فالقريب من المضل مثلا بعيد من الهادي ، والعكس ، فكل اسم يعطي قربا ، فالسعادة ترجع إلى هذا القرب المصطلح عليه ، وقد يكون للحق قرب خاص من العبد زائد على قربه العام . كما قال تعالى لموسى وأخيه عليهما السلام :قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى، فإن هذه المعية ، معية العناية بالحفظ والكلاءة ، لا المعية العامة ، فقرب العبد من الحق بكل ما يعطي من السعادة يتبع له قربا خاصا من الحضرات بالحقية ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ، ومن أتاني يسعى أتيته هرولة » .
والقرب على قسمين : علمي ، وعملي .
فالعلمي : أعلاه العالم بتوحيد الألوهية ، وهو على نوعين نظري ، وشهودي .
والعملي : على نحوين :
قرب بأداء الواجبات : وهو القرب الفرضي كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : « ما تقرب المقربون بأحب إليّ من أداء ما فرضته عليهم » .
وقرب نفلي : كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : « لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت له سمعا وبصرا » . ومداد العمل المقرب :
إما من الباطن إلى الظاهر ، فأعمه وأتمه الإيمان .
وإما من الظاهر إلى الباطن ، فأعمه وأتمه الإسلام .
وإما من القلب الجامع بين الظاهر والباطن ، فأعمه وأتمه الإحسان .
فمقتضى القرب النفلي : تجلي الحق للعبد متلبسا القابلية المحدودة .
ومقتضى القرب الفرضي : تجلي الحق له ، وظهور العبد بحسب الحق ، غير محدود ، ولا متناه .
فالتمييز بين قوسي الحقانية والعبدانية في القرب المفرط إن كان خفيا يعبر ب « قاب قوسين » .
وإن كان أخفى يعبر عنه ب « أو أدنى » .
ومن هنا قال قدس سره : وقد يطلق على حقيقة : « قاب قوسين » ، فالتجلي بحكم هذا القرب ، إن كان في مادة وصورة ، تتبعها القرب في النسبة المكانية ، في مجلس الشهود ، وإن كان في مجلس الشهود ، وإن كان في غير مادة ، كان قرب المنزلة والمكانة ، كقرب الوزير من الملك . . فافهم .
وقال الشيخ محمد بن عمر القادري : اعلم أن قاب قوسين مقام القرب الأسمائي باعتبار التقابل بين الأسماء في الأمر الإلهي المسمى دائرة الوجود كالإبداء والإعادة والنزول ، والفاعليّة ، والقابليّة ، وهو الاتحاد بالحق مع بقاء التمييز والاثنينية ، المعبر عنه بالاتصال ، ولا أعلى من هذا المقام إلا مقام أو أدنى لارتفاع الاثنينية ، والاعتبار به والتمييز هناك بالفناء المحض ، والطمس الكلي للرسوم كلها تنبيه في تفسير الآية :ثُمَّ دَنا: أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اللّه تعالى وترقى عن مقام جبريل بالفناء في الوحدة ، والترقي عن مقام الروح .