تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

وأمّا الثاني : وهو ( نور الغاية الإنسانية )

؛ فهو شأنه الذي كان ليلة الإسراء فإن الأنبياء خير البشر جاز عليهم في السماوات ، ثم تركهم وقطع عوالم الملأ ، فهذه نورانية كشف بها أنه وصل الغاية ، وبلغها ، ثم وصل إلى محل الكروبيين ، ثم إلى أكثر ، ثم إلى آخر العمارة الروحانية والجسمانية .

وأمّا النور الثالث : وهو ( نور الإدراك )

؛ فإنه أدرك اللّه وأبصره على أي نوع كان ، وعلى أي مذهب إن كانت العلمية أو الأخرى ، ثم كان يبصر من خلفه صلّى اللّه عليه وسلّم كما كان يبصر من أمامه ، وأيضا إدراك الجنة قبل موته ، وأيضا كوشف عن الذي في قبره يعذب ، وأيضا كشف له عن الجنة في عرض الحائط ، وأيضا أبصر الملك على صورته التي خلق فيها ، ثم على أنحاء بعد ذلك ، هذا نور كشف له عن أعز المدركات كلها .

وأمّا النور الرابع : وهو ( نور النبوءة )

؛ فهو ما له ظهر من الآيات ، وما تحدّى به من المعجزات ، ثم ما أدرك من النوع الأكمل ، هذا كشف له به عن مقام النبوءة ، وأظهر اللّه به قدره ومكانه .

وأمّا النور الخامس : وهو ( نور النشأة

« 1 » ) ؛ فهو الذي كشف له مكانته ، وعناية اللّه به
هامش
والحقيقة أيضا دونها حجب الأنوار ، فلا مطمع لأحد في الوصول إليها ، ولا في تخطي الحجب المشرفة عليها ، وعليه فتجليات الحق تعالى له صلّى اللّه عليه وسلّم كلها من وراء حجاب الكبرياء والعظمة ، الذي هو وصف من أوصاف ذاته المعظمة . ( 1 ) قلت : قال الشيخ جعفر الكتاني في جلاء القلوب : جرت المشيئة الإلهية الأزلية بإيجاد الإنسان الكامل أولا وبالذات من الذات الأحدية ، وجعله أصلا ومنبعا لجميع العوالم الخلقية ، ومادّة ممدة لكل ذرة من ذرات البرية ، فكان منه الأمر والخلق ، وكل جمع وفرد ، ومنه المبدأ وإليه المنتهي وفيه كل ما يرام ويشتهى والمفاض عليه سر الذات والمحلى بحلي الصفات ، والمسمى بالأسماء العلية ، والمخلوق على الصورة الجليلة البهية ، والمعلّم بلا واسطة ، والمقرب بدون رابطة ، والمعنى دون غيره حقيقة بالخطاب ، والمنزل عليه أصالة كل ما أنزل من كتاب . فهو رسول الرسل ونبي الأنبياء ، هو المبعوث إلى كل من تقدم أو تأخر من الأمم وسائر البرية وجميع الأصفياء والمعطى جزاما والخليفة ، المفوض إليه أمر العوالم كلها وفاقا بين المحمديين من أهل اللّه لا خلافا ، أشرف الموجودات مكانة ومكانا ، وأعلاها وأسماها منزلة ومنزلا وأولاها ، أدار اللّه عليه رحى مخلوقاته ، وجعله قطب فلك جميع مصنوعاته ، فكان لهذا العالم الكوني القطب الأصلي والأب الحقيقي لكل موجود منه فرعي أو أصلي ، والقطبية لغيره بحكم النيابة عنه والعارية ، والكل في قبضته وتحت ولايته الممتدة والسارية . وقد غسل قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما شقّ بماء النسيم في طست من ذهب مملوء ثلج ؛ فهو أنقى الخلق
رسائل ابن سبعين — صفحة 268 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي