تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣

[ رسالة الأنوار ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصل اللّه على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم الحمد للّه الذي بنوره يعلم ويعبد ، وبحضوره يعرف ، ويشهد ، الذي خلق النيرات ، والنجوم المسخرات ، وأودع الأرواح سر عهده الأول الأوصل ، وذكرها صورة المفارق للمواد ، وجعل القلوب مظاهر ملكه الأكمل ، وزينها بالعلوم ، والعقل المستفاد ، وجعل طريقة خليله إبراهيم عليه السّلام بما ظهر من الأنوار لعالم الإنسان ، وطريقة حبيبه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما بطن من الأسرار ، وخصه بمقام الإحسان ؛ فكان ذلك مريدا ، وكان هذا مرادا . ثم إنه مات ، وصحفت صحفه كما صحفت موسى ، وهذا بالضد توفي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعاشت شريعته ، والذي كان مبددا في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم اجتمع بعد مماته ، ولا تركته العناية حتى جعلت من الرسل من يتبعه ، وهو عيسى عليه السّلام . فلمّا أبصرت هذه العناية الكبرى ، وحققت أن كل درجة بالنظر إلى درجته هي النعمة الصغرى حتى عظم أمره في الدنيا ، وأكبر أمره هي في الأخرى ، وإذا أبصرت من آياته ما أبصرت نبهتك ، ثم أتتك بعدها أخرى اجتمعت في نفسي ، ونزعت بالجملة إلى حضرة جلالته حتى إني غبت بذلك عن حسي ، وأهملت معاشرة جنسي ، واشتد بالغلو في صلاته أنسي ، قلت عن غائب عينه إرساله وزاجر أكده إجلاله : يا أيها الإنسان ، والمراد بهذا الجنس ، وله أقصد بالخطاب ، ولا أبالي على أي حال كان ، فإن الحقائق إذا تعينت ، ونور اللّه إذا كان مظهره الأفضل هو به على الوجه الأكمل ، والقدر الأوصل ؛ قيل فيه بحسب الطاقة : فمن مسلم ومن ضده ، ومن عاش ، ومن مبصر ، ومن موف ، ومن مقصر من ذلك ، ومن مقتصد ، ومن مطفف ، ومن مجتهد . وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه بالقصد الأول ، وبالقصد أيضا كان فنرجع فنقول : يا هذا المسلم النور ، قد استولى ، وتراكم بالغرض ، وزاد حتى غلب الكمية والكليات ؛ بل الخطوط المتوهمة ، حتى أنه يفوت ما يقال ، وما يتوهم ، وما يعلم ويقدر ، ولا تلحقه لمبالغة الإعياء ، والناس في تصوره على أنحاء ، وعلى مراتب ، وبقدر نصيب كل ، وعادة اللّه تعالى في عباده أن ما من عليم إلا وفوقه عليم ، وما من حكيم إلا وفوقه من هو منه أحكم ، وفوق الكل أحكم الحاكمين العليم الحكيم ، ثم انقسم اعتقاد الجهال على أربعة أقسام ، والذي يرجع إلى حاصل ما يعتقدون ويقولون فيه أعني : في نور النبوة ، والمقام المحمّدي على أنحاء ، فنترك الكلام على المخالف لنا إلى موضوع أخر ، ونتكلم على مراتب أمته صلّى اللّه عليه وسلّم وخصوصا على المعنى الحاصل المعلوم منهم من حيث النار هذه ،