فإن الفضلاء بالجملة ما اختلف أحد منهم في البحث على الكمال ، ولا على ذكر اللّه بما هو ذكر ، وإنما الخلاف في الطريق الشرعية ، أو في صفات الحق ، أو في صفات اللّه ، أو بعض الاختيارات والمبادئ والغايات فقط .
فنقول : أجل ما جاء في ذكر اللّه عن اليهود عشر كلمات مفهومها لا يشذ عن مفهوم آية الكرسي ، وآخر سورة الحشر على خلاف بينهم فيها ، وفي الإنجيل تسبيح يوحنا ، وكلام المسيح الذي كان يتكلم به في الليل ، وحاصل ما فهم منه مجموع في هذه الكلمات التي نذكرها لك ، وهي مرموزة مني ، غير أن الذاكر ينتفع بها ، وهي : « عمرش اش عمر صح راهيا ايدجا أيهم اردع صعسر عرجم كطلم » .
وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه مثل هذا ، والأصح عندي أن يتوقف في المسموع من أهل الكتاب كما جاء في الأثر إلا ما ينقله الرجال عن الرجال ، وعن الأحوال .
ومن أسرار الصوفية الذكر المحمود هو الذي يصدر عن الرجل في حال الشهود ، وهو الفعال عندهم ، وبه يقع الانتفاع ، وبه يفهم عن اللّه ونبيه وعنهم ، وهو لا ينضبط ، فإن اللّه إذا تجلى يجعل قلب عبده كرسيه الموضوع لحكمه ، وعرشه المدبر لعالمه في عالم الطبيعة المدبر ، وهذا الذكر لا ينضبط للعربي ، ولا للعجمي ، ولا هو بحسب لسان ، فإن الحضرة الإلهية واسعة ، وهي تمشي على حكم الممكن القابل الواسع الكلي ، هذا ما كان منها في المدرك المحصّل للذوات ، وما كان منها يرجع للحد الأعلى ؛ هو على جهة الوجوب ، ولا يمكن في هذا أكثر من هذا ، فاعلم .
وأيضا الروح لا تحصره اللغات ، ولا يخاطب بها ، وطبيعته قبول الكليات ، وإذا ترك هو وعالمه العلوي يعلم ويفعل من صفة نفسه ، فكيف تطلبه بأثره ، وتحب أن تجعل الظل يحكم على الشخص ، والآلة على الصانع ، وأيضا الرجل هو في الأرض أنموذج مجموعهم ، فلا يحصره شيء إلا الجلالة المنسوبة إلى اللّه في مظهر مفروض ، أعني : جزء منه في ذلك هو يعتبره ويحترمه ، وذلك يلزمه ، وأيضا الرجل : هو رحمة على العموم ، وهو يدبر أهل الأرض وخطابه لا يتوقف ، وأيضا الملك إذا خاطب لا يستند إلا إلى المجاور المحفوظ ، والروحاني المؤمن ، والقرين قد يحدث بغير لغة الرجل الأولى ، واعلم أن للملائكة أذكارا مختلفة : لملك المطر تسبيح ، ولملك الرعد كذلك ، وكذلك لملائكة السماوات أذكار مختلفة ، ولملائكة الأرض ، وللمقيم الآن في الجنة ، ولأهلها بعد ذلك ، فلا تتوقف على ذكر ، ولا تنكر على الرجال ما تسمع ، فلعلهم كوشفوا وخوطبوا ، ومن هو قلبه فارغ ينتظر ما يرد عليه من الأزل لا يحصر ، ولا يغير عليه .
رسائل ابن سبعين — صفحة 241
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٤١