تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
فتزهد في الأمور المنتظرة المعمول عليها عند الجميع . مثال ذلك : يزهد في العلم بمعنى لا يغتبط به في وقت ما لأنه يطلب المعرفة ، ويزهد في المعرفة لأنه يشهد المعروف ، ويزهد في التضرع إلى اللّه من النار لأن القرب من الفاعل أبطل عليه وهم الفعل ، ويزهد في التأهب لنعيم الآخرة ؛ لأن اللذة القائمة بالجوهر استغنى بها عن كل لذة ، ويزهد في ذلك ؛ لأن القصد أطلق له ، ويزهد في ذلك لأن الهيبة هيبة في المكنة ، ويزهد في ذلك لأن الحد حصره ، ويزهد في ذلك ؛ لأنه مدلول الرضا ، ويزهد في ذلك ؛ لأجل ذلك وفي ذلك أنه ذلك وكذلك بعد ذلك في وقت وجود ذلك . والزهد الذي في الجسم هو يعظم بحسب وجوه المتروك ، مثال ذلك الزاهد في الإكسير الذي لا يقتنع به إلا برسم الغير المضطر ، وهو مع هذا الحسن يستجلب شهواته من الصور الطيبة ، وجاه يجلب العسير ، ويكون خليفة ملك الأرض ، وله نفس تطلب اللذات الطيبة ، ويجد في الطلب قوة استعداد ، وسلامة أعضاء وقوى ، وملكة خصال يعجز عنها تفرحه بالحمد والتعظيم ، وما أشبه بينه وبين من هو دونه مع كونه لا تبعة تلحقه ، وجلته تقيه فاعتبر ذلك ، وقس به ، وانسج على منواله الواحد في الوجود ، والوجود قد يطلب في المقامات بمعنى ما ، وبالوجه الذي يقال انتقل ورحل ، وأخذ الأمر ، وظهر الصعود إلى غير ذلك لا أنه يعود إلى العرف الأول فيهمله ، وهذا النوع من الزهد الإضافة . وأمّا الزهد الجليل فهو الذي يكون به الزاهد غريبا في الآخرة ، ولا يتعرض إلى الأسباب المطلقة ، ويكون معها تاركا على الإطلاق لغير اللّه على الإطلاق ، وهو بالجملة زهد لكي يكتسب كماله ، فإن كان زاهدا على الإطلاق حتى في الذي يسري له من اللّه كان مطلقا ، ولا خير فيه إلا إن كان خبره اللّه أعني : أنه يقول المقصود العين التي لا يصح معها طلبها لها ، والأمر من جهتها ، وبحسب ما يقال فاترك ما يضرك ويقول ، ومن حرر الوحدة ، وهذا بمعنى سلب ، وجمع على مجموعه فجمع وعوض بزهده ، ويجر بذلك . فإذا كان الأمر على ما ذكرناه ؛ فعليك أن تعلم أن الذكر هو الأصل في ذلك كله وما حملني على ذكر الزهد ، وتقسيم ما ظهر لي فيه بحسب هذا التقييد ، وكوني أخذت فيه بزيادة ما أردت بذلك التنبيه على خساسة الدنيا ، وكونها مهلكة ، وهي العلّة القريبة والفاعلة بالجملة ، وصرف الهمم الكريمة ، فافهم . ونعود إلى فضل الذكر ، فنقول : ما من نوع من هذه الأنواع إلا وقد يجمع لك في كلمة واحدة ، وهي جميع من ذكر اللّه ، ولم يغنه عن غيره ، ولا تأنس به ، ولا امتنع به على
رسائل ابن سبعين — صفحة 237 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي