بالقليل ، وإن كان دون ذلك يفعل فيه بحسب هذا التقدير ، فافهم .
وهذا يحرره له الذكر ، ويذكره به ، ويزيد له فيه ، وينشط وكأنه يسمع الأمر عز وجلّ يقول له : افعل كذا أو اترك كذا ، أو يقدر ذلك داخل ذهنه ، وأيضا قد يستحي مع الذكر أن يفعل القليل المحمود ، فكيف الكثير من المذموم ، وبالجملة الذكر جنّة وجنّة ومنّة .
والورع إذا حرر القول فيه هو الذكر الخفي ؛ لأنه حيثما ذكرت له النفس ما يحبه ذكر له العلم والعقل والشرع ما يجب عليه ، ويذكره لما يحبه المذكور ذكر المذكور المحبوب عنده من أنواع الذكر ، فإن المحبوب عنده من أنواع الذكر ، هو الذكر الذي يذكر الذاكر على مرضاة مذكوره المحبوب عنده ، ويذكره بصفاته ، وبما هو عليه في معاملاته ، وإذا كان الذكر بخلاف ذلك ؛ يقال له الصوت ، أو الخبر المهمل ، أو هو الذاكر الصامت ؛ لأن المراد من ذكر اللسان تصور القلب ، والمراد من ذكر التقلب كشف السر ، وذكر الروح ، والمراد بكل واحد مما ذكر : اللّه .
فضيلة الذكر في مقام الزهد
الزهد العرفي : هو الترك المعتدل لما لا يجب ، أو لما يشغل أو يضر نوعه ، وإن لم يضر شخصه ، وهو الذي يحض على الورع من صفة نفسه ، ويسود الزاهد بسببه ، وإذا انضاف إليه الخوف والعلم ؛ استقام الأمر ، وهو ينظر إلى التوبة في البداية فيقوى طلبه ، وينظر إلى السلوك ، ويتلذذ به ، ويأنس بتحقيقه فيه ، وينظر إلى الغاية ، ويتردد في أمره ؛ لأنه قد يظهر له في الغاية أنها لا تنال إلا بعلم ما ، وبسبب ما ، فيكون محيّرا في أمره ؛ لأنه ما بين أن يطلب الكمال ، فيطلبه الشرط ببعض ما خرج عنه أن يعود إليه كما يجب ، ويطلبه المقام بالثبوت .
والهمة إن علت قد تطلب الأولى ، فإن جهلت فتغتبط بالأول ، وتحيل الثاني ، هذا هو زهد البعض ، والزاهد غير مراد ، وأردت بهذا الكلام التوسط .
وأيضا الزهد : هو فقد ما إليه يحتاج بإرادة ، وأيضا الزهد : هو الفقر غير أن الفقر العرفي أجل منه ، وهو المذكور في « الفقيرية » ، والزهد العرفي أجل من اللغوي ، وأيضا الزهد ، إذا كان على هذا الحال ، والمحل كبير بمعنى أنه هو بحسب خيره فتارة تراه في الأمر المهمول من الدنيا ، وأخرى تبصره في الحقير منها ، وذمته عليه مملوءة بالحكم ، وبالأمور الشرعية المالكة للكليات ، المعتبرة في الدنيا والآخرة يحمد بالجملة ، وقد يحمد منه الزهد المنسوب ، والزهد المحسوب ، وهو إمّا في النفس ، وهو زهدها في عالمها ومنصبها وصيتها ورياستها ، وينهزم في هذا جميع أخلاقها ، وإمّا في الأمور التي فوقها ، وهي ظفرت بكمالها