لذلك ؛ يسلك من استصغار الخلق ، ومن شهود مزيته عن الخلق ، ويظفر بالتواضع ، ومن رأى له مزية على أحد فهو متكبر ، ويحركه الذكر لطلب ماهية الذكر ، فيحتاج إلى علم ما يمنع ذلك ، ويكشف به ما يجب للمذكور ، وما يجوز عليه ، ويستحيل في حقه ، أو تظهر عليه أحوال فوق العلم النظري ؛ فيعجز عنها فيحوجه الأمر إلى رؤية الرجال .
وهذا كله من فضائل الذكر ، وأيضا يمكن من خروجه عن الغير أن يعلم هل يصح له ذلك ؛ لأن الذكر لا يتم من حيث هو ذكر إلا بما يحبه المذكور ويختاره ويرضاه ، فإن ذكر المتشرع ما هو كذكر غيره ؛ لأن ذكره لا يتعدى فيه النقل ، وله ذكر يزيد وينقص ، وتبدل صيغه ، والأمور إذا انحصرت بحسب الأحكام الخمسة ؛ يحتاج أن يعتبر مدلولها ، فإذا كان ذلك كله ؛ احتاج الذاكر إلى معرفة ما يجب عليه في الشرعية ، وما يحسن به في الخلوة ، وكيف يكون حكمها .
وأيضا الذكر يجره إلى أن يعتزل عن الأخلاق المذمومة ؛ لأن الذكر يطلبه بطهارة القلب ، والمحل على الإطلاق ، ويعمم الأعمال الظاهرة والباطنة ، ويسكن في ضدها ، ويتصف بها ، وحضرة الحق لا ينجر إليها ، ولا يتميز فيها إلا الطاهر التقي ، والماجد النقي ، والعزلة الصادقة : إنما هي في فرار النفس عن القبيح المهلك لها ، لا البعد عن الأهل ؛ بل العارف النبيه ؛ هو الذي لا يكون تحت قسمة النوع ، وهو نوع وحده ، ويكون من الناس وهو واحد من الناس ، وهذا كله بعض فضائل الذكر .
وأيضا الذكر في الخلوة والعزلة يجعلك أن يكون أنسك به لا بهما ، فإنه إن تأنست بهمها في الخلوة أو العزلة ، إذا خرجت عن ذلك ؛ فقدت الأنس باللّه ، وفقدت لذة الحق ؛ لأنه علّة ومعلول ، وأعوذ باللّه من ذلك .
وأيضا الخلوة الصحيحة التي من أجل اللّه ينبغي أن تكون كلها باللّه وللّه وإلى اللّه ، ولا يوجد في المحل ذكر أحد غير اللّه ، وأيضا من ذكر بجسم ، وكان من حيثه ؛ أتعبته الحواس ، ومن كان كذلك مع نفسه ؛ أتعبته الأماني والأوهام ، ومن اعتزل عن ذلك ، وخلا بحبيبه وذكره أعانه على الجميع ، وملكه من الكل ، وبلّغه إلى غاية آماله ، ويستميل نفسه إلى قول : اللّه ! اللّه ! اللّه !
ذكر الذكر ونوره وتصرفه في مقام التقوى
التقي إذا ذكر عظم خوفه ، وكثر أدبه ، وحضر في وهمه الوعد والوعيد ، فيذكر بخوف فوت الوعد ، وخوف ضر الوعيد ، وقيام همه به ، وأيضا التقوى تحض على مجانبة جميع ما يبعد عن اللّه ، والذكر يحرر هذه المجانبة ؛ لأنه إذا استغرق أزمنة التقوى متى هم به وسواس