تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
الوهم ؛ ذكّره الذكر ففر عزمه إلى الأدب ، وأقام على خيره الأول . وأيضا الذكر باللّه وبأفعاله وصفاته ، فيطلب التقي أن يعمل على تحصيل متعلقاتها فيذكره بالآخرة ، ويشوّقه إليها ، وأيضا الذكر نور ، والتقي يمشي بالنور على بصيرة ، وهو الذي يعلم جهة المضار فيتقيها ، ويكون معه دائما ، وحينئذ يكون مدركها تقيّا ؛ ومثال ذلك الرجل الذي يقول هذا هو السبع ، فإذا لقيه في الطريق وهو مع هذا ؛ لا يفر عنه لم يفده علمه به الفرار عنه ، وإذا جمع مع العلم به الفرار عنه ؛ سلم وظهرت السلامة بازدواج العلم والعمل ، وإذا لم يفعل ما يجب في ذلك ؛ كان مثل الذي لا يعلم به ، بل الأول أصح اختيار منه ، ولعله بكونه لا يخبر عنه يكون سبب سلامته منه ، فإن النفوس إذا لم تخوف لم تخف ، فافهم ، وكل خير يطرأ عليها منها ، فإنها إذا انفعلت فعل فيها ، وبالعكس ، وهذا على جهة الأكثر .

ذكر فضيلة الذكر في باب الورع

الورع إذا ذكر زاد روعه ، وحفظ حاله ؛ لأن الورع كتابة عن ترك الشبهات ، أو ترك ما لا يعنيك ، أو ترك المشغل بالجملة ، أو إهمال ما لا تحمد عاقبته ، وذلك لا يصح إلا بالتقليل ، والزهد المحض ، ولا يقوى إلا بالتقوى ، ولا يمشي نحو الصواب إلا بالعلم ، ولا يدوم إلا بالصبر ، ولا يحمد إلا بالرضى ، ولا يكمل إلا بالأنس باللّه ، فإذا ذكر الورع الذاكر للّه في كل حين ؛ قامت معه زواجر الأحكام الشرعية ، وعظمه الأمر ، فإنه يسمع ويرى من حيث الأمر والنهي ، والأمل في اللّه ، وما هو بسبيله من الاجتهاد على تحصيل البعض من نوره ، ونعيم داره ، وخزن أغراضه ، وسجن همته ، فإذا كان هناك يسرح الجميع حيث يجب ، فإذا همت النفس منه بمباح طلب الذكر منه سلامة الباطن من المحتملات وطهارته وطاعته ، والمباح يجر إلى أمور ، وقد تصعب بنظر ما فكيف . وأيضا يشغله باللّه عن فعله مع كونه في غاية الزهد والمحافظة على الأحكام ؛ فيكون الأمر على أتمّ ما يمكن ، وأيضا الورع : هو الذي يجعل الشرع في يمينه ، والعقل في شماله ، فما تعرض له ، وتوقف فيه من جهة ما في شماله ، عرضه على ما في يمينه ، فإن قبله وإلا تركه وفرّ منه ، وهو ينظر بمرآه الأحكام الخمسة ، فإذا أراد أن يتصرف في شيء ؛ نظر إليه هل هو من الأحكام الواجبة ؛ فيسرع إليه ويقضيه كما أمر ليس إلا ، فإن الورع في المأمور به إنما هو في تناوله على ما يجب ، وكما أمر ، وسرعة القبول لا غير ، وغير ذلك لا يصح لئلا يصدر من ذلك سوء الأدب ، والزيادة على الشارع كفر وبهتان ومحال ، وله أن يزيد وينقص في المباح والنوافل ، وما أشبه ذلك ، وإن كان ندبا جد ، وأخذ نفسه بالكثير لا