تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وثبوتها على الأحكام الشرعية ، ثم على الإلهية ، ثم يعود الأمر في غايته إلى اللذة والأنس ، ولا تجد النفس ما يسوؤها ، ويرتفع معقول الجهد والمفهوم ؛ منها الذي جاء على المبالغة بذكر الأنس غايتها أيضا المشاهدة ، والذكر : هو المحرك الأكبر في ذلك فإنه إذا ورد الأمر الصعب على النفس في حال الذكر يسهل . وأيضا فالذاكر يذكر الفاعل ؛ فيخاف أو يرجى في الوقت ، أو يستحي منه الذاكر وجملة فضائل تصدر منه في ذلك لا تحصى . وقد ينقله من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ويعينه على مجاهدة النفس لقواه ، والجسم كذلك ، وجميع ما هو فيه بالقوة والفعل من هذا القبيل ومن هذا النوع . والعقبات التي ذكرها إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه . قد قيل : أن السلوك عليها بالذاكر صحبة التخلق ، والقصد الصادق ، والهمة الجليلة تقطع . وأخبر أبو العباس بن العريف رضي اللّه عنه أنه أبصر إبراهيم بن أدهم في النوم ، فقال له : « لم قطعت أنت المقامات الستة التي ذكرتها ؟ » فقال له : « أي المقامات تريد ؟ » . قال : « العقبات » ، قال له إبراهيم بن أدهم : « العقبات قطعتها باسم اللّه الأعظم ، والتجلد الخالص » ، قال له : « ومن لا اسم له ؟ » ، قال : « بذكر المسمّى » ، قال أبو العباس : ففعلت ذلك ، وانتفعت به ، وجميع ما أنا بسبيله من بركات وصية إبراهيم بن أدهم . وذكر صاحب الخلوة ينتفع به في خلوته ، فإنه ينادم ربّه بذكره ، ويتلذذ بالأنس به ، وأيضا بإفراط الذاكر في الخلوة يجد المواجد العظيمة ، وينال المراد منها ؛ لأن الذاكر إذا ذكر على ما يجب دبره المذكور ، فإنه من أجله ، وله انقطع ، وهو سبحانه يعلم ذلك ، وأيضا يدوم في خلوته ، فإنه ما دام يذكر ؛ يذهل عن نفسه ، وعن أخبارها بالجملة ، وعن الأهل والوطن ؛ فيستقيم من غير أن يقر عليه وقته ، والمراد بالخلوة : الفرار إلى اللّه فلا شيء أولى من ذكره فيها ؛ بل هو الصورة المقومة لحال الذاكر ، والمتممة له ؛ لأنها عندهم من أمارات الوصلة ، والذاكر : هو الرابط لها ، ولما توجه لما يجعل به ؛ وجب أن يفر عن أبناء جنسه ، ويستوحش من غير اللّه ، وبذلك يظهر عليه ذكره في جملة أحواله وتصرفاته وبالذكر يتحقق أنسه باللّه ، فإذا ذكر اللّه ، وعظم الذكر تكبر الهمة ، ويصغر كل شيء عنده ، ويبصر الأشياء ساجدة خاضعة للّه العظيم ، ويصيبه حال الإخلاص الذي إذا قام به تفر أمامه الأمور الكاذبة ؛ لأنه إفراد المطلق ، ومن جملة ما يفر عنه الأخبار الكاذبة حتى إنه يقول : لم نفر إلى اللّه ، وإنّا نذم عباده ، ولا نفسي يسلم لها أنها تأخرت من شرهم إلى خيرها ؛ بل هم باللّه وللّه ، وأنا من اللّه ، ومع اللّه ، وكل واحد منهم له ذلك ، ومن ألهم
رسائل ابن سبعين — صفحة 233 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي