ثم يقول : « اللّه اللّه اللّه » ، ثم يذكره بفكره ، ويحرر القول ، ويحقق العزم ، وينصرف إلى ملاحظة الذهن لقضية الحال ولاستنادها إلى مواطن التطلع ، ويسكن وينبه الوهم العزيز الذي موضوعه الخلد الموجه المتوجه ، ويصير على انسلاخه ، ويتجرد عن القوى الروحانية ، ثم يفعل ذلك مرة أخرى ، ويفرغ من قلبه خبر العالم الفلكي والطبيعي والروحاني والمثل المتوهمة في الكليات المعتبرة في الوجود المنتسب ، فإذا عطس أنف استرواحه يريح المواهب الماحية للحد المقيمة في المطلع ، ووجد ذكره في ذاته المستطيرة ، كان نحو الصواب ، ثم يفعل مرة ثالثة بمعرفة تحصل المواقف ، وبحسب حكم الواقف من ذلك ما ذلك حتى يستريح الوهم ، وتفرغ النفس ، ويتقدس بمجاورة المحل المكمل المقدم والعقل بما فوقه بالنظر إليه إذا تحكم بالمطالب الأصلية .
والتعليل لا حكم له ، ولا يحتاج ، وقصاراه قبول كمالات وأدب في ذلك ، وحكم بأن ما هو بسبيله يفارق ما كان عليه ، لا أنه أهمل القواعد من كل الجهات ؛ بل من جهة وجهة ، وإن عجز عن الحكم وترتيب المقدمات ، فما عجز عن قبول ما يجب ، وإن هذا المقبول هو من الغرابة والجلالة بحيث لا يدخل تحت الأمور المعروفة .
ذكر أخر : اذكر في نفسك أنه قد ذكرك ، ثم اذكر ، ويكون ذكرك من مراقبة علمية ومقام الإيمان وذكر مشترك ، ثم اذكره من مقام الإحسان ومراقبة قلبية ، وذكرك في آخر المشترك ثم اذكره ، وذكرك من حيث ذكره والذي كنت تعلم قد كان أن يكون مشهورا ، وأنت تراه يتشخص في مدرك الهيبة المحركة للضمير الفاعلة في النفس ، وتقرر الملاحظة وكأنك تحدثه ، ثم تفرط في ذلك حتى تجد ما يكاد أن يكف الذكر للأدب الذي يجده مجالس الملك إذ جالسه .
وأيضا مشاهدته فيها الكفاية ، ثم تجلد على الذكر حتى تبعد المشاهدة المنسوبة ، وينعكس ذكره لأنه حالها ، وأنها غيب الذاكر ، حتى نسي أمره فلمّا أفاق وجد الذكر وسبب المشاهدة فيه أقوى من الأول ، ثم اذكر بعد هذا الذكر حتى تجد مطلوبك أقرب من الأول ، والأمر أتم وأعظم ، وفوائده أجل ، وغيبته أقل ، ثم اذكر حتى تغيب قليلا ، وتحضر كثيرا ، ثم اذكر حتى تغيب فيه ، وتحضره عنده ، ثم اذكر حتى تحضر ولا تغيب ، ثم اذكر حتى يعود الذكر في المحل دون قصد وإرادة ، والقصد والإرادة في التنزيه ، ومشاهدة الجلالة ، وأنت تعلم وتسمع ، وهنا هي نهاية الذكر .
وبعد هذه المواطن يحرم الذكر على الخاصة ؛ لأنه من الأفعال المسببة ، فإذا وقع الميل ، ويخاف على المطلوب المحصل أن يفوت صحبة السبب قطع السبب ، ويبقى الطالب
رسائل ابن سبعين — صفحة 231
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٣١