يبتدي في مظهره بالدليل قبل المدلول وتقع المساواة انقله ؛ يقول ويعتقد أنه لا حي إلا اللّه ، فإذا وجد الاجتماع يحكى معتقده والجمع يشهد على ماهية تعليله وتصويره ، ويحصره حصر الدائرة لما تحتويه ، وينفعل مع ذلك لهيبة ذاته ، وضعف مرض عادته ، قد أخذ في الانحطاط انقله ؛ يقول ويعتقد أنه لا موجود إلا اللّه ، فإذا أبصرت الآنية هي الهوية ، والمعلوم هو العالم ، والميت هو الحي ، والظاهر هو الباطن ، لا من جهة الدليل ، ولا هو من قبيل أنا هو وأنا اللّه ، وما أشبه ذلك ، فوض أمره إلى اللّه إلا إن كنت صاحب اسم فأنسه وبلّغه الأمانة الثانية ، واللّه هو المدبر ، فإن الذاكر حقيقة هو المذكور .
ذكر أخر : واذكر باللسان ، وافهم بالجنان ، ثم اذكر بالجنان ، وحرك اللسان ، ثم اذكر بالقلب والرب ، ثم اذكر بحقيقة القلب حيث هو الرب ، ثم لا بالرب ، ثم اذكر بالرب ، ثم لا بهذا ولا بهذا ، فإن السبب عند اللّه ينقطع باللّه ، واللّه لا يذكر نفسه وذلك الذكر غيره أعني : غير المذكور ، ولا يذكر عبده وهو هو ، ولا يسع في الوجود الخلو عنه مع امتناع ذلك فيه وإن كان بوجه ما به ، ولكن هنا دقيقة إذا قلت : اللّه ولا شيء معه ، ولك حالة ما غريبة الهيئة هي تلك .
والذكر هو إلمامية الشعور بها ، وهي القضية التي لا تنتقل وتستقل ، ولا تكون بحيث يرد عليها العالم والكاشف والحاضر والغائب ؛ فأبشر فإنك الاسم الصحيح ، والخليل الخاص من حيث أوهامك وسلبها ذلك ، والمطلوب الجميع .
وهنا يصل بعض الناس ممن يتوهم أنه وصل ، ويقطع بالوصول ، ويهجر الواصلين ، بمعنى أنه قد لا يستقل ، واستغنى ، فيتلف من دار مولاه حيث أراد الحلول فيها بعد طول المدة ، وذلك إنه وصل إلى آنية بسيطة لا يمكنه أن يسع من غيرها ، ويجد القلق في ضميره من الأغيار ، ثم ينصرف إلى معناه الساكن فيجد الممد والماحي للأغيار ، ويحصر ذلك كله على الوهم ، وعلى ملك الخيال ، ويستند إلى مواجده ويطلق التوحيد المحض العام الذي لا يشوبه شيء ، ويصرف الأشياء إليه ، وينظر الناس بعين الرحمة ، فليته ينظر نفسه بعين الإنصاف ساعة ، ويرجع البصر كرتين ، ويغوص في جلال الذكر ؛ فهو الذكر الأعلى الذي لا تنطبق الآنية إلا على مظاهره ، ولا يطلقها على جهة المطابقة إلا هو .
ذكر أخر : الذكر مشاهدة إذا كان من الضمير الأعلى بمعنى أنه يستجيب فيه المذكور :
أي المدرك والمشعور به .
ذكر أخر : بل بحر تجري سفينته تحت موجه ، وجواهره فوق أوجه ، إن كان الذكر يحمل إلى اللّه فقد كفر الذاكر بإجماع أهل الذكر الخاص ، وإن كان يحجبه عنه فالأمر
رسائل ابن سبعين — صفحة 228
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٢٨