تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
يحصى عددها . وكان الصديق رضي اللّه عنه يذكر في نفسه ويقول : « أسمع من أناجي » . وعمر رضي اللّه عنه كان يذكر بالجهر ، ويحارب عدو اللّه الشيطان . وعثمان رضي اللّه عنه كان يقوم الليل كله بالقرآن ، وهو الذكر من جهة الاسم والمدلول والجميع . وعلى رضي اللّه عنه خطبته معروفة ، وذكره لا يمكن أحدا أن يستريب فيه ، والسلف الصالح كذلك كلهم ، ورجال الرسالة الذكر عندهم مقام كريم ، وهو لا يترك في السلوك ، ولا في الوصول ؛ لأن كل واحد من الواصلين يذكر ما هو بسبيله ، ولو بالقلب ولو بالمذكور ولو بإخباره عن قطعه ، ولو بالوقفة ، وبالجملة لا بد من الذكر ، وهو يتقدم ويتأخر ، ويقارن المقامات واللذات والأحوال والجميع . وأويس عليه السّلام كان مقامه الذكر المفرط والبكاء ، وكان فكره يتأخر عن ذكره ، ومات وهو مقدم أسوة لأهل الطريق ، وذكره فكره معا ، فافهم . من فضيلته : كونه فرضا عليك : مفردا ، ومركبا : تارة وحده ، وتارة بإضافته إلى عبادة أخرى ، وهو أول ما تستفتح به الرسل لعباد اللّه ، وأمّا المحدث فينقل فيه الوجوب والندب ، والفقيه يوجبه عند تذكر النعم ، وفي الصلوات المكتوبة ، ومن حيث المسلم ، ويحمّده إذا أفرط ، وإن استغرق فيه الوقت كما يجب ، وهو عنوان السعادة عند الموت ، وهو الأول في الدين ، والآخر من أول ما يطلب المكلف به ، وعند الموت ، وهو ظاهر في اللسان ، وباطن في الجنان ، فقد ظهرت فضيلته في صناعة الحديث والقياس ، وفي الأحوال ، فإنها تكشف فضله ، وتحض عليه وتجر إليه . وبالجملة : فضله في العقل والنقل والإجماع والقياس لا يخف إلا على مجنون أو محروم أو مباهت أو بطّال أو جاهل ، وأعوذ باللّه من هذه الأوصاف . وكذلك وجوه التصوف : أمّا الأول : فيقول : الذكر يحفظ نظام الأحوال ، وينشط القصد ويحرره ، وينوع اللذات الباطنة . والثاني : يحمده فإنه يصرف الوهم إلى مرتبة التقدير ، ويقطعه بانقطاعه هو ، ولا ينقطع إلا في المذكور ، والمذكور هو المقصود ، والمقصود لا وهم فيه . والثالث : يحض على متعلقاته بحسب محل ، ومن جهة وجهة ، والذكر الجوهري يحده في تطوره في جوهره المنتظر ، وكان ينتظر به جلالة مجهولة في تحقيقه ، ويسوقها هو .
رسائل ابن سبعين — صفحة 226 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي