أعود ، فإن صرفتني إلى هذا الهيكل فاشغلني بك ، وألهمني بالرجوع إلى حالتي التي انصرفت من حضرتها الشريفة ، يا غاية العقل والعلم ، يا لذة الهمة ، يا أمل الحكمة » .
وكان أرسطو يقول : « يا علّة العلل ، يا أزل الأزل ، يا سبب أول يا واهب العقل ، قني نارك يا من تكرم علينا بالوجود ، لا تهمل نفوسنا في عالم الطبيعة ، وخصصنا في حضرة الجود » .
وبلغني أن الهرامسة كانوا يقسمون نهارهم وليلهم إلى زمان الذكر ، وزمان معرفة مدلوله بينهم ، وزمان اختيار ذكرهم ، وتحقيق حقيقة قبول المذكور عليهم بوارد طارق أو حال خارق أو إشارة في الكون أو ملك مخاطب أو زيادة رحمة أو خير مكتسب ، ولكل نبي دعوة ، ولتلك الدعوة ذكر خاص ، وساعات الأنبياء لا يمكن فيها المناجاة ، لأن اللطائف إذا تواردت على المحل لا يسع العارف إلا الذكر ، وبلغني أن آدم عليه السّلام كان يقول : « اللهم أرحني بجنتك التي لا يتوقف فيها ذكرك ، ولا نفقد فيها ذاتك ، يا من أسجد الملائكة لعبده ، وهو يعلم منه أنه يعصيه بعد ذلك يا من كرمه لا يتوقف على الجزاء والمسئلة ، ولا يستند إلى ما يقل ويكثر ، يا واسع الخير ، يا رحمن ، يا حليم ، يا اللّه » .
وكان إدريس عليه السّلام يقول : « علمت أنك العلي الكبير الشأن ، المنعم على كل ذات حادثة ، العالم بكل الكائنات ، الذي له الملك والحمد ، فأنعم علي بما علمتني ، وخلصني من ملاحظة غيرك يا ذا الملك والسلطان » .
وكان نوح عليه السّلام يقول : « اللهم أنعم علي بالصبر حتى نفرح في الدنيا والآخرة بدعوة الحق ، يا حق ، يا مدبر الخلق ولو في رجل واحد ، يا اللّه ، يا اللّه ، يا رب ، يا رب » .
وكان يقول في السفينة بحسب ما نقل : « اللهم سلم وأنعم علينا بالعافية ، وادفع عنا غضبك : لا طاقة لنا عليه ، وانظر بعين رضوانك إلينا ، يا رحيم ، يا رؤوف » .
وكان يقول بعد سلامته : « يا وهاب ، يا محسن للمذنبين ، ثبتنا على طاعتك ، ولا تهملنا وعافنا » .
وقال عند موته : « سبحان الحي الذي لا يموت » .
وكان إبراهيم الخليل عليه السّلام يقول : « اللهم بحق كلمات الصحف آنسني بك ، وبلغني غاياتي في جوارك ، وارحمني بحضرة رضوانك ، واجعلني في الأرض أسوة صادقا يجذب عبادك إلى رحمتك ، وحدثني في سري بما تكشف به عن ملكوت السماوات والأرض ، واجعل ذريتي صالحة » ، والذّبيح عليه السّلام كان فداؤه ذكر ربه في قلبه بصفة الرضا .
ويعقوب عليه السّلام قسم ذكره لربه ، وحبه ليوسف ، فكان عذاب باطنه لأجل المساواة ،
رسائل ابن سبعين — صفحة 223
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٢٣