وكذلك يوسف عليه السّلام : طال أمره لكونه ذكر غير مذكور ، فغار الحق على ذكره له ، ولكونه وقعت فيه المشاركة ، وهذا في حق يوسف عليه السّلام مما يحمد ؛ لأنه عاتبه على المباح فدل على أنه اصطفاه ، والكلام عليهما يطول ذكره لا أنه من قبيل القصص المذكورة الذي تعظمه العامة ؛ بل من قبيل التحقيق الذي تعظمه الخاصة .
وكان موسى عليه السّلام يقول : « نذكرك في القلب مرة ، ثم نبصرك به ، فأنعم عليّ بالنظر إلى وجهك ، كما أنعمت على المذنبين من عبادك » ، وما ذاك إلا أنه غاب ذكره في بصره فأبصر الحق بالحق ، وطلب ذلك من جميع الجهات .
وكان هارون عليه السّلام يقول : « اللهم أرح عبادك ، ومهد بلادك » .
وكان عليه السّلام يقول : « ذكر اللّه شريعة القلوب ونصيبها من نور اللّه ، اللهم طهّر قلوبنا بذكرك حتى نذكرك بما تحبه كما تحبه » .
وفي التوراة : ذكري رحمة للعباد لا يصلح معها عذابي ، فأوحى اللّه إلى موسى عليه السّلام :
« اذكرني فإن بذكرك لي كلمتك ، وبه تراني وأنا مع الذاكرين » ، فقال موسى عليه السّلام : « يا رب أنعمت فتمم لي ، ما ليس لك فإنه مثلك ، وليس لك مثل نفسك » ؛ فأوحى اللّه إليه :
« من استند إلي كفيته ، ومن ذكرني فقد بلغ إلى حضرتي » .
وكان داود عليه السّلام يقول : « الحمد للّه على حمده ، وعلى ما بعده » فأوحى اللّه إليه : « يا داود ، احمدني وزد في حمدي » فقال : « يا رب ، وهل يستطيع أحد على حمدك ، فإنما حمدك نعمة من النعم » ؛ فأوحى اللّه إليه : « علمت ذلك فقد حمدتني » .
وفي الزبور : « يا داود ، أنا عند ظن عبدي فليظن بي خيرا » ، ومعناه : أنا بحسب ما يخبر عني ويذكرني ، وفي الذابور : « يا داود ، أنا بدك اللازم فالزم بدك » .
ومفهومه : اخبر عن واجبه فيك وعن استحقاقه لك . وهذا هو ذكر القلب ، وذكر بعض أهل التحقيق إنه كان إذا أراد أن يفعل الأمور العجيبة يتكلم بكلام غريب ، وبحروف مقطعة فيفعل الأمور الغريبة صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين .
وسليمان عليه السّلام فعل بالذكر والاسم والخاتم ما سمعت ، ودعوته كلها ذكر ، وبه علم منطق الطير ، والذكر المشترك ، والنطق العام المقول على كل موجود ؛ بل على كل معدوم بوجه عام ، وبلغني أنه كان إذا عزم على الحركة ، ويريد تصرف الذوات التي حصرها عالم الكون يتكلم بكلام خفي ، ويستدعى الجميع أسرع من الطيف ، وأفاد ذلك لبعض خدامه ، فكان يفعل ، حتى كاد أن يفعل فيه ، وكان يذكر حتى يفعل في الموجودات ، ويظهر فيها العجائب .
رسائل ابن سبعين — صفحة 224
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٢٤