تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
الوقت المختار المحمود ، وهو يذكر اللّه واللّه يذكره . ومن فضيلته : ما جاء عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه الذي حكاه جابر بن حيان « 1 » أنه كان يتكلم في جميع العلوم عقيب الذكر ، وسأل بعض الفلاسفة في يوم حضوره للناس بمحضر الجميع منهم فقال له : ما دليلك على أن للعالم فاعلا مختارا يختار حدوثه ؟ فقال : أرأيت لو أنّا قدرنا لها المحدث الذي يختار ويدبر الأكوان ، وهو حكيم لا يفعل إلا الأولى ، ويتقن المصنوعات أي شيء كان يظهر في هذا الوجود ؟ وهذا مني على صورة الفرض لا على أنه على صورة الدليل . قال له الفيلسوف : كان يفعل ما ينبغي ويتقن الأشياء ، ويضع كل شيء في محله ، قال له جعفر الصادق : فقد كان ذلك وما قدرته قد وقع ، وجاء عنه رضي اللّه عنه أنه كان يوما يذكر اللّه فجاءه بعض الناس فقال له : ما أقوى دليل على وجود اللّه الذي أنت ذاكره ؟ قال له : وجودي ، وذلك لأن وجودي حدث بعد أن لم يكن ، بأي فاعل ؟ يمتنع أن يقال فاعل وجودي أنا ، لأنه لا يخلو إمّا أن يقال أحدثت نفسي حالما كنت موجودا ، أو حالما كنت معدوما ، فإن أحدثت نفسي حالما كنت موجودا ، فالموجود أي حاجة له إلى الوجود ؟ وإن أحدثت نفسي حالما كنت معدوما ، فالمعدوم كيف يكون موجدا للموجود ! فدل على أن الذي أنا ذاكره هو الذي نشير إليه بالاشتقاق ، وهو الصانع الفاعل لوجودي ووجود غيري ، عز وجلّ ظاهر لا بتأويل المباشرة ، باطن لا بتأويل المباعدة ، يسمع بغير آلة ، ويبصر بغير حدقة ، لا تحده الصفات ، ولا تأخذه السّنات ، القديم وجوده ، والأبد أزله الذي أيّن الأين لا يقال له : أين كان . ومن فضيلته : ما جاء عن بعض الملوك مع بعض الرجال كان يذكر وبه ، ويحض الناس على ذكره ، فقال له الملك : لمن أنت ذاكر ؟ فسكت عنه ، فقال له : « كلمني ! » ، قال : « أنا أفكر في هذا البستان الذي كان خرابا ، ثم من بعد ذلك صار من أخصب المواضع ومن أرفعها ، وذلك من تلقاء نفسه » . قال له الملك : « أنت مجنون » قال له : « بل أنت ذلك الذي ترتع في بستان وجود اللّه ، وتسأل عنه » ؛ فأعطاه الجواب ، وكان يذكر فلم يقطع غيره ، واللّه يمده بالغيب الكريم . وقد حكى عن علي كرم اللّه وجهه وهو يذكر أنه قيل له : « هل تذكر من تبصر أو تعلم ؟ » فقال : « لم أعبد ربّا لم أره » ، فقيل له : « كيف رأيته ؟ » ؛ فقال : « ما رأيته بمشاهدة
هامش
( 1 ) له عدة رسائل ( حققنا مجموعة كبيرة منها ) تحت قيد الطبع ( دار الكتب العلمية ) .