الأول ويظفر بالصديقية ، ومن فضيلته : أنه يتطور في القوى النفسانية ، وهذا الذكر المحمود هو الذي يقع على ما يجب ويتعلق كما يجب ، لا الذي يصدر من غير المعتقد أو يتوّهم به الممنوع العقلي أو الشرعي ، وإنما الذكر المراد هنا المحمود من كل الجهات ، وإن كان الذاكر من العلماء أو من المتوسطين أو دون ذلك ، الخير فيه إذا تم على سداده من جهة معقولة ، ومن فضائله عناية ربنا عز وجلّ بالمؤمنين بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
[ الأحزاب : 41 ] .
ومن فضائله كون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذمّ آخر الزمان بعد الذكر فيه ، بقوله :
« لا تقوم الساعة على أحد يقول : اللّه ! اللّه ! » « 1 » .
ومن فضائله قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتدقّوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى ! قال : ذكر اللّه » « 2 » .
فهذا المختار قد اختاره لنا ؛ لأنه قال : أرفع الأعمال ، والعاقل يختار الذي يختاره له المرشد ، وشهادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صادقة ، وهو لا يخبر إلا عن اللّه ، فاللّه قد أخبرنا بمثل ذلك ، فأي دليل نطلب بعد نصيحة اللّه ورسوله ! وأي إرشاد أرشد من إرشاد اللّه ورسوله ؟
ثم فضله على الصدقة وعلى الجهاد وعلى الشهادة ؛ لأن الذي تضرب عنقه لا يعيش ، وهذا إذا سلم من المشوّش ، وحرز من الاعتراض لا شيء أظهر من فضله ، فاعلم .
ومن فضيلته : قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ، فقيل له : ما رياض الجنة ؟ قال : مجلس الذكر » « 3 » .
ومن فضيلته : أنه لا يفوتك حتى في المواضع الغير طاهرة ، فإنك منعت أن تذكر اللّه بلسانك في موضع الحاجة ، وأمرت أن لا تغفل عن اللّه طرفة عين ، فبقي لك ذكر القلب أو ذكره بالاسم المضمر كما جاء وقد جاء بالاسم الصريح ، ومن فضيلته : أنه يدفع البلاء عن العبد إذا طاف به فتعود رحمة الذكر عليه تحفظه ، وقد جعله اللّه للمؤمن الذاكر غطاء كامنا وحرما آمنا .
ومن فضيلته : أنه ينقل من الغيبة إلى الحضور ثم إلى المشاهدة ، ومن فضيلته : أنك إذا
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 131 ) ، وأحمد ( 3 / 162 ) .
( 2 ) رواه الترمذي ( 5 / 459 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1245 ) .
( 3 ) رواه الترمذي ( 5 / 532 ) ، وأحمد ( 3 / 150 ) .