كحياته ووجوده بقدر ما يقدّر له من العمر والأزمنة له في الذكر ، وأمّا إذا وقع التحقيق في هذه المسألة فإنه أكثر من الزمان المحسوب له ، فإنه بحسب نيته وخبره ، فهو مع كل نفس يقول : ( اللّه ) ! ( اللّه ) ، ويعتقد فيه ألف ألف ، فاللّه لا يضيع له ما يريده ، والكريم لا يتّهم في أخلاقه ، وأيضا هو يذكره بلسانه ، وهو الذكر الذي قلنا فيه يمتدّ امتداده .
وأمّا ذكر قلبه فهو الذكر الذي لا يأخذه الحصر ، فإنه بالجوهر الذي لا يدخل تحت الزمان ، فافهم .
وأيضا إذا ذكره العبد وبالشيء الذي بعلمه المحقق لا نظير له في الأعمال والفضائل ، وكل فضيلة يتعب فيها ويطول أمرها ، ويحتاج في سلوكها إلى زمان ليس باليسير والكل دونه ، ولو فرضناها فوقه في الوصف الواحد لكان هو بسرعته ، وما جعل فيه من الثواب يعطيها من صفة نفس وجوده في المكلّف .
مثال ذلك : إذا قدّرنا الصلاة المفروضة صلاة العصر تفضل ( لا إله إلا اللّه ) الكلمة الواحدة أو الثلاث كلمات أو أكثر بكذا كذا حسنة ، أو نجعلها تزيد عليها مائة حسنة ؛ لكان الذكر أجل ، فإنه يقول بطول يومه ، بل ببعضه ما يصح به إدراك المائة والمائة ألف ، فكيف والأمر قد جاء في الذكر بأكثر من هذا ! فكيف والذكر هو الصورة المقوّمة والمتمّمة لجميع الوظائف الشرعية ! ولا تصح وظيفة شرعية إلا به ، ومن جملة بركاته :
طهارة الوقت مما لا يصلح ، وإهمال السيئات ، وموافقة الملائكة ، ونور اللّه في ذلك الوقت وفي ذلك المحل من ذلك القلب ، وحفظ اللسان وسائر الجوارح على جهة الموافقة والإلزام ، ومن جملة فضائله التشبه باللّه فإن اللّه يذكر ويصحّ منه ذلك ويطلق عليه ، ولا يصحّ منه الفكر ، ومن فضيلته : أنه معقول في القدم ، فإن اللّه تعالى كان يثني على نفسه
هامش
يصحّ إلا بالمشاكلة والمناسبة ، وليس بين الخلق وربهم مشاكلة ولا مناسبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا اه .
ثم قال : إيّاك أن تقول أنك أنست باللّه تعالى عينا ؛ فإن ذلك لا يصحّ ، وقد سمعت مرة هاتفا يقول :
( إذا كان كل شيء خطر ببال عبدي فأنا بخلافه ، فكيف يصح له مناجاتي على الكشف والشهود والأنس بي ) اه ( ص 58 ) .
وقد قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به في تعريف الأنس : الأنس هو ظهور علامات تشعر النفس بنيل المراد ، وحقيقته : مد يد الأطماع إلى اقتطاف ثمر المواصلة ، وغايته : تصرف العبد في ملك الرب ؛ اعتمادا على التحقيق بصحة المحبة التي توجب رفع علل المغايرة اه .