تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
يسعدك ، وسعادتك رضوانه ، ورضوانه يحملك إلى حضرته ، وحضرته تخزن ذاتك من ذل الكون المهلك والممكن القابل المنقلب ، وتحكمك في الرحمة والوجود المطلق ، وتصرفك في المقيد ، وتطلعك على المقدر ، وتبلغك إلى أقصى الإنسانية من جهة التخصيص ، وبحسب الأمور التي لا من جنس ما يكتسب ، ولا من جهة العادة والعلوم المألوفة الشريفة والأحوال المذكورة ، فاعلم . ومن جملة خيراته العزيزة ذكره لك عند ذكرك له في حضرته مع أهله ، ومن جملة فوائده الكريمة ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا اللّه » « 1 » . ومن بعض فضائله كونه يفضل الدعاء ، ويزيد خير المتصف به على خير المتصف بالدعاء ، ومن نوره ونعمته قول اللّه تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] . فجمع في هذه الكلمة بين الأمر والجزاء والارتباط وشرف الحكمة والكرم المحض ، أوجب على جلاله ما لا يجب عليه والقطع بالسعادة ، إذا حصل هذا الأمر بحسب ما ذكرناه ؛ لأنه إذا ذكره إنما يذكره مع السعداء فلا سبيل إلى شقاوته ، وقد يتفسر هذا بقوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
[ الرحمن : 60 ] بوجه ما ، ومن نوره وجلالة قدره قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال الحمد للّه رب العالمين فله ثلاثون حسنة » « 2 » . وجميع ما جاء في أم القرآن إنما هو لكونها احتوت على كليات القرآن ، والأسماء المظهرة والمضمرة والمشتقة ، ومن شرفه الأحاديث الواردة في الذاكر وما يعطاه ، وما جاء في ذكر اليوم والليلة والأحاديث المنقولة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الذّكر وأوقاته ومواطنه ، والظاهر منه والباطن ، والخفي والجلي ، وعدده . وما جاء في أسمائه وفي ذكره بها وفي حفظها ، وما أعدّ اللّه في ثوابها ، وهو يسهل على الطباع مع كونه يصحبه الأنس « 3 » ، ويكاد يمتد مع الأنفاس ، والذاكر الصادق هو له
هامش
( 1 ) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ( 6 / 38 ) ، والمباركفوري في تحفة الأحوذي ( 9 / 308 ) . ( 2 ) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( 2 / 288 ) . ( 3 ) قال الشعراني رضي اللّه عنه في « القواعد الكشفية » في الكلام على الأنس باللّه : إن ذلك لا يصحّ لأحد من الأولياء ؛ لما تقدم من الجهل بكنه الذات . وقد قال الولي الكامل سيدي علي بن وفا رحمه اللّه : ( لا يصحّ الأنس باللّه تعالى لأحد من المحققين ، وما أنس إلا بما منه من التقريبات لا بذاته تعالى ) . قلت : وقد أجمع أهل الطريق على ما قاله سيدي علي بن وفا رحمه اللّه تعالى ، وقالوا : الأنس لا
رسائل ابن سبعين — صفحة 213 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي