وشك في نائمه وساهره ، وتحير في أمره ، ووجد في ظفره ما لم يجد في خبره ، وتعلق بجائزة وطمع في خيره ، ثم تشفع بشمائل تشبهه فاستوحش ، فشفعه بالشفيع فتشوش ، ثم عقله بالوتر فتأنس ، ثم عكس وما انتكس ، وكشف المشعور به والشعور والشاعر وما تحسس ، ولا تجسس ، وتوحدت منه النفس والنفيس وأنشد :
من كان يبصر شأن اللّه في الصور * فإنّه شاخص في أنقص الصور
بل شأنه كونه ، بل كونه كنهه * لأنّه جملة من بعضها وطري
إيه ! فأبصرني ، إيه ! فأبصرته * إيه ! فلم قلت لي : النّفع في الضرر
قالت له الإحاطة المذكورة : وصلت فالزم ، وهمت فاعزم .
قال لها : العزم في الواقع غير جائز ولا نافع ، وقد كنت فكرت في عزيمتي ؛ ولذلك ما أدبرت في هزيمتي .
قالت له الإحاطة المستلزمة : جميع ما جاء بواعظة الفكر ، وكل ما قيل صحبة القوافي والفقر متصرف إليّ محسوب عليّ ، والوهم عيّنه ووقّته وأيّنه .
قال لها : قد علمت ذلك في الشعور الأول وفرغت منه .
قالت له : من فرغت منه كنت عنه .
قال لها : فما المعمول إذا ؟
قالت له : قطع التوجه هو الوجه الذي به تراني ، وذلك الوجه توجهه دار إليّ ، فما أفتح ضد هذه المقابلة ! وما أملح جذب الوهم بالمقابلة ! ثم أنشدته ، وبها أرشدته ، وذكرت له بيت لبيد « 1 » ، وقرأت عليه قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت :
46 ] ؛ ففهم عنها ، وبذلك كان منها ، وظفر بأمنيته ، وزهد في زور الوهم ، وكذب أمنية ، واتحد واحده بواحده ، وتوحدوا بفضل من حضيض العدد إلى ذروة الأحد ، ثم نظر إلى ماهيته الثابتة في معناه العدمية التي يشار إليها من هويته العرضية الوجودية التي هي آنية الممكن عند الفلاسفة ، ومبدعة عند الأصولية ، وشبه ذلك عند المعتزلة ، ومعيدة له عند بعض الصوفية ، ومقوّمة عند بعضهم ، وهو ولا هو عند الأكثر ، وعند بعض المحققين نقطة مستقلة ثم قضية مفردة ، ثم ما ذكرناه قبل ؛ فانكشف له أن الوهم أوهم لواجده حتى لحقه الوهم في وحدته ، وقسمها قسمين فصار القسم الواحد للآخر كالجاحد ، ثم زاد الأمر وانقسم ، ثم صار أكثر من واحد حتى احتاج إلى شاهد ، وعسر وجوده فإنه موجده وهو
هامش
( 1 ) إشارة إلى حديث : أصدق كلمة قالها شاعر . . . وقد تقدم بتخريجه .