تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وبالجملة : إذا نقص إدراكه كمل دراكه ، فالتوجه إلى هذا الجحر خير ، والإقامة في الجحر شر ، فإنما ما جاء نهى المعصوم عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من جهة التكبر ، أو من جهة التعجب . وما أراد الكافر إلا على الفاقد الجاحد لنكال الآخرة والأولى ، أو كان منه نهيا للمتوسطين من باب الآخرة والأولى ، وكانت كلمة دبرت للضعفاء بحسب عرفهم وأمثالهم ومكالمتهم لأمثالهم . إيه ! الكمال كنه الكائن ، والجمال رسم الكامن ، والجلال اسم المكين ، والجليل رب التلوين والتمكين . إيه ! هذه الكلمات كنز من كنوز الجنة ؛ بل هي ذات الرضوان والمنّة ، غير أن ذلك لا يصح إلا بفهم الواضع ، وبقدر ما يفهم من كلام الوحيد الواضع . إيه ! إثبات السعادة في التوحيد المحض محض الحرمان ، ونيلها في الموحد بكونها كنه رضوان الرحمن . إيه ! إياك أن تتوهم في هذا الرجل ما لا يجمل به ولا يصح في حقه ، فتكون من الخاسرين ، والأصلح أن تكون من الحاسدين بالحسن الذي يستحسن بين السعداء ، الذي تركبت ماهيته من الغبطة ، وطلب التشبه بالأعلى ، وطلب الأخرى والأولى ، لقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النحل : 60 ] ، والذي ينبغي لك أن تعتقد فيه أنه متوسط بين الخليفة المستقل ، وبين الكيس المنتقل ، وهو يستدل من حيث يمتثل ، ويمتثل من حيث يستدل ، وأنه جاز على المعلوم المحسوب ، وتوسط في الوجود المنسوب ، وتوجه إلى الواهب المحبوب ، لا بالمكتوب ولا بالمكسوب ، وبلغ سبب الأوهام المرشدة ، والأفهام المنشدة ، وهتك الحجاب ، وقهر الحجّاب ، وفتح الأبواب ، وسلم الأسباب ، ورحل عن مكانها ؛ لكونه كان من كيانها ، وصح له بهذا أن يكون كنه الإمكانات لا كنه الكمالات ، وأسقط التركيب والتحليل ، وبذلك تسمى ، وسلم الكنه الكامل باحترامه للمسيء ، وهجر الحد والرسم ، ووجل الوصف والاسم ، وتعلق بالأعظم ، رغبة في الاسم الأعظم ، وألزم طبيعته الطيبة المطمئنة الأدب ، وجد في الطلب والسبب ، وفي نيل الأرب ، يغيب تارة ويتوحد ، ويحضر أخرى ويتعدد ، ثم يغيب عن كل ذلك ، ثم يعود كذلك . وجميع الأمور التي سمعتني نذكرها عنه التي هي من جنس ما يذم عادة وعقلا ، ويحتقر فاعلها فرضا وفعلا ، وتتوهم فيه من جهة الإضافة لا من جهة الانفراد ؛ لأن القبيح لا يسكن في اعتقاده ، ولا يتعلق بمراده ، وهو يتوجه على تطوراته ، ويستقيم في تصرفاته ، وما عصى الكريم ، ولا أطاع وهما ، ولا نسي أصلا ، ولا جهل علما ، فمتى أبصرت بحر