برهن عن ذلك أرسطو في « الآثار العلوية » ، وأثبت أنها من بخار يصل إلى هنالك . وكيف بداية هذا الكون على كلام بلنياس في تكوين الكون من محدب فلك الأطلس إلى مركز العالم ، وكيف دوام الحركة في طول الأزمان حتى ظهر المزيد مما يطول شرحه في كميته ، وكيفيتها ، وأن الشمس تطلع على قوم دون قوم ، وتكون في ساعة على قوم نهار وعلى آخر ليل ، والمركز ساكن بسرعة حركة المحيط ، وظهور المعدن والنبات والحيوان ، وينقسم المعدن إلى ما يذوب ويحترق ، وإلى ما يذوب ولا يحترق ، والنبات مما ينجم ويشجر ويقوم على ساق ، وينقسم الحيوان إلى ما يتكون ويلد ويبيض .
فإذا اطلعت على علم الهيئة وتخلصت لك هذه القسمة ، وجميع ما حللت وقسمت لكي تتبين به طمأنينة التأنيس ، وترجع بعد خلاصك من القسمة المذكورة إلى قبل نفسك تجمع فيها جميع ما ذكر بوجه ألطف ، وهي له شبه أنموذج ، فتعود إلى الإحاطة المذكورة التي خرجت عنها ، وأضربت عن تصورها ، ثم تجد خبرك كأنه الكل ، ويحتمل الكل وتسمع أمثلة الجميع فيه ، وكأنه إحاطة أخرى .
ثم تنظر إلى ذلك تجده يفتقر إلى معنى ما غير معين لكنه يعمه ، وذلك المعنى هو الإحاطة المذكورة ، ثم ترجع فتنظر إلى القسم المشار إليه المدرك خارج الذهن ، وإلى القسم داخل الذهن ؛ فتجد روح العالم الكلي وجسمه المطلق يحكمك في أمرك ، والوهم الذي في هذا الموطن تجده كأنه محيط بالإحاطة المتقدمة ، وهو من حيث يحيط وهما يماثلك ، فإن الأعم والأخص والأصغر والأكبر لا يمنع الشبه ، ولا يصل المثلية عن طريقها ، وإن تغاير المثلان بوجه ما من جهة المكان والزمان ، فلا يتغاير الوجود الذي يقال عليهما بتواطؤ .
ثم ترجع إلى الوجود الذي ظهر عنه هذا هو فيه أو منه ، أمّا ما يمكن فيه ، أو وجب له فتجده أعم من الثلاثة ، فتكون إحاطة الإحاطات .
وقد يقال إحاطة حقيقية تحيط بكل إحاطة وهمية ، وهذه الإحاطة مع المتقدمة قبلها كالقوى المتقدمة مع الإحاطة المتقدمة ، وهي التي انصرفنا إليها ، وهي هي فقط ليس إلا ، ثم ترجع إلى خبرك فتجد الجميع فيه ، وهو مع هذا يتحرك إلى أكبر وأكبر مما يقال له أكبر ، وهو الكبير المتعالي الذي يخضع له الوهم المحيط المحاط به ، ويسجد له من حيث الاستحقاق جميع ما ذكر ؛ بل يعلم بوجه ما من جهة ثبوته في المغايرة لا غير ، وبهذا يشهد الحق المطلق بالكلمة الجامعة المانعة الذي تقدم القول فيها وتوسط وتأخر .
وهذا هو الشرط الذي يدفع به كل شيء من طرفه إلى وسطه ، والوسط الذي يجمع
رسائل ابن سبعين — صفحة 204
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٠٤